الشهيد عبد الرَّحماني محمَّد بن يحيى الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
الجزء ٢١ · صفحة ٥أيُّها الأحبَّة الأكارم، ما أصعب الحديثَ عن موت نفسٍ مؤمنة، وَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، فكيف والموتُ قد تصيَّد شابًّا من خيرة الشباب تقوىً وصلاحَا، وترصَّد فتىً من خيرة الفتيان أسوةً وفلاحَا، خرج يُدافع عن حمى إخوةٍ له مؤمنين، ومن قُتل دون ماله وعرضه فهو شهيد، لقد أراد الإرهابُ الأعمى اغتيال الفقيد في ميدان «محمود» نكايةً به ومكرَا، فأراد العزيزُ الحكيمُ له أن ينال في «المقام المحمود» وسامًا وفخرًا، لقد أرادوا للقتيل قبرًا، وأراد الجبَّار أن يرفع له ذكرَا، فمن منَّا كان يعرف الفقيد محمَّدًا قبل أن تُبرزه الأحداثُ فيغدوَ مذكورًا على كلِّ لسان، ومحبورًا بكلِّ بَنان، حتى كانت تُتابع نبضاتِ قلبه الأنينِ ـ مخافةَ أن تتوقَّف ـ كلُّ نفس في هذا البلد الأمين، ويراقب أنفاسَه المتبقِّية ـ خشية أن تنفذ ـ كلُّ إنسان في هذا الرَّبع الحزين، ولا أدلَّ من هذا الحشد الكبير الذي ألقت فيه أركان الولاية بفلذات أكبادها إلى هذا المأتم الكبير مُعزِّية مسلِّية، مؤاسيةً مُضحِّية.
أيُّها الأحبَّة في الله، لنا في كلِّ موتٍ عبرة جليلة، ولنا في كلِّ ميِّت فكرة جميلة، فما أرى الموت إلاَّ خاطفا كلَّ نفسٍ مهما اشتدَّ بها الأمل، ودائلاً كلَّ دولةٍ مهما امتدَّ بها الأجل، وكلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، فيا معاشر الناس أعِدُّوا العدَّة قبل فوات الأوان، واستعدُّوا للرحيل قبل أن يُرفع للموت الأذان، فما تدري نفس بأي أرض تموت …