دور الإفتاء في التقريب بين المذاهب الإسلامية الجزء الثاني علي بن مبارك
الجزء ٤ · صفحة ١١ونتج عن هذا التحوُّل في أطراف الفتوى تغُيُّرًا في وظيفتها من الاستعلام أو الاستخبار إلى الاستنكار، وترسيخ التقليد المتعلِّق بالإفتاء ومن يضطلع به، ومحاربة ظاهرة «الفتاوى المتسرِّعة» التي يصنٍّعها العامَّة وينشرونها ممَّا تسبَّب في شيوع ثقافة التبديع والتفسيق والتكفير.
وحتَّى نتحسَّس أكثر ما صحب الفتاوى المعاصرة من انزياحات لا بدَّ أن نجيب عن مجموعة من الأسئلة الخطيرة: من هو المفتي ومن هو المستفتي في هذه الفتاوى؟ ومن هو المستفيد الحقيقيُّ منها؟ هل يتضمَّن سؤال المستفتي بحثا عن معرفة حكم شرعيٍّ منشودٍ كما هو معهودٌ في تقاليد فتاوى الإسلام، أم تراه تجاوز ذلك ليضطلع بأفعال قوليَّة وتأثيريَّة وإصلاحيَّة تتمثَّل في الحدِّ من انتشار الفتاوى المتسرِّعة، وضبط فوضى الفتوى التي تشهدها السَّاحة الإسلاميَّة، ومحاربة ظاهرة تكفير المسلم المخالف في الرأي والمذهب؟
إنَّ أوَّل ما يشدُّ الانتباه ورودُ السؤال الموجَّه للمفتين في صيغٍ مُختلفة وإن بدت متماثلة تُوهِمُ القارئَ من خلال مستهلاَّتها بأنَّ المستفتي السائل شخصٌ ينشد الحكمة فيبدأ بالسلام ويختم به قائلا «السلام عليكم»، ممَّا يدفعُ القارئ إلى الاعتقاد بأنَّ بنية الفتاوى حافظت على خصوصيَّاتها الفنِّية بما هي تواصلٌ بن شخصين؛ أحدهما يسأل جهلاً بأحكام الشريعة، وثانيهما يجيب على أساس معرفته بحقائق الشرع وعلومه. ورغم وحدة الهدف ووحدة الإشكالية المطروحة فإنَّ صيغة السؤال المطروح لم تكن متجانسة، وإن بدت كذلك ممَّا يدفعنا إلى البحث في دلالة كلِّ صيغة من الصيغ المعروضة.
ولقد استخرجنا من بين مجموعة الفتاوى التي اشتغلتا عليها أربع صيغ مختلفة: