مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

دور الإفتاء في التقريب بين المذاهب الإسلامية الجزء الثاني علي بن مبارك

الجزء ٤ · صفحة ١٤

ويمكن لكلِّ مدقِّق في موضوع سؤال الاستفتاء أن يلاحظ ارتباطه بموضوع الإفتاء ذاته، فهي فتاوى تسأل عن الفتوى بل هي ـ إن صحَّت تسميتها- «فتاوى الفتاوى» أو «فتاوى في الإفتاء»، وهذه الطرافة في موضوع الاستفتاءات تجعلنا نتساءل بحيرة من هو المتكلِّم؟ ومن هو المخاطَب؟ ومن المعنيُّ أساسا بهذا الخطاب، وما هي الأصوات الكامنة فيه؟ وما هي الوجوه التي تتوارى وراءها؟ وما طبيعة العلاقة الممكنة بين المستفتي السائل والمفتي المجيب؟ وإذا اعتبرنا هذه الفتاوى انعكاسا طبيعيا لهيمنة «فتاوى العامَّة» المنتشرة هنا وهناك، وردَّ فعلٍ رسميٍّ على «فوضى الإفتاء» و «فتاوى تكفير المسلم المخالف في الرأي والمذهب» فمَن هو المعنيُّ بهذه الفتاوى؟ هل هو الإنسان العامِّيُّ الباحثُ دومًا عن أجوبة لأسئلته المتكاثرة، والمتلذِّذ أحيانا بنقل الفتاوى ونشرها وإعادة صياغتها وتحويلها إلى سلوك اجتماعيٍّ، ومحاربة من لا يقول بها ولا يعمل بأحكامها؟ أم هو «العالِمُ» المهمَّش الذي تمرَّد على سلطة العلماء والمراجع والمؤسسات الدينية الرسمية التي تؤطِّرُهم فاقتحم مجال الإفتاء دون استشارتهم أو الأخذ بأقوالهم؟ هل المعنيُّ بهذا الخطاب مراجع التقليد بكلِّ مذاهبهم عساهم أن يتداركوا سلطانَهم وأن يستعيدوا ثقة من سأل غيرهم وبحث عن بديل لهم ممَّا تسبَّب في اضطراب كبيرٍ على مستوى الأطراف الفاعلة في عملية الإفتاء، وانحرافٍ خطير في سلوك المتديٍّنين أدَّى بهم في بعض الحالات إلى تحويل العقيدة إلى عنفٍ وإرهابٍ وإقصاءٍ ونسفٍ لمبادئ العيش المشترك القائم أساسا على حصر القرار الدينيِّ في إطار ضيِّق، وعدم معاملة الآخر على أساس معتقده أو أفكاره؟ وفي هذا الإطار تتنزَّل علاقة الفتاوى المعاصرة بهاجس التقريب بين المذاهب الإسلامية ممَّا يدفعنا إلى التساؤل: هل يمكن توظيف الفتاوى توظيفًا يخدم التقريب والتواصل بين المسلمين مهما تباينت مذاهبُهم؟ أم تراها (هذه

٥٩ / ٤٤٩