ردُّ الشبهات عن رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان إسماعيل بن صالح الأغبري
الجزء ٥ · صفحة ٥فإن كان الإسلام واحدًا، وأُنزلت أحكامه على الجميع، وأمر الله جلَّ وعلا بالعدل في الجميع، وطلبه من الجميع، ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص26] وحذَّر من الظلم ولاة أمر المسلمين، سواء أكانوا غابرين أو معاصرين ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة124]، فإنه من المفارقات العجيبة التنديدُ بظلم الحكَّام المعاصرين، والإعرابُ عن السرور لما تحقَّق من مطالب المظلومين الثائرين، بينما يندِّد «المتعالمون» بكلِّ ناقدٍ لأهل الاستبداد من الغابرين! فكيف يجوز الاعتراضُ على الجوَرَة اليومَ وتصبح مطالب المطالبين بالتغيير مشروعة، وتحرُم المطالبةُ بالعدل ممن ولي أمرَ المسلمين في القرون الهجرية الأولى؟!
إنَّ الإسلام دينُ النقل والعقل معًا، والحسَنُ ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع، فلا اعتبار لعاطفةٍ، ولا تشريع لنزعات ونزغات، فأهل القرن الأول الهجريِّ أولى باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتزام غُرَزِه، فإن خالفوه، كان أمرُ مخالفتهم أعظمُ، لأنهم شهدوا التنزيل، وعاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم -.
لو كان للعاطفة الجيَّاشة حُكمٌ فوق حكم الشرع الشريف لما تقبَّل شخصٌ عدم موالاة أبيه وأمه وأخيه وزوجته ولو جاؤوا من الأمر نُكرًا، واقترفوا من الفعل محرمًا.