ردُّ الشبهات عن رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان إسماعيل بن صالح الأغبري
الجزء ٥ · صفحة ١٨إنَّ خطابهم «لا أم لك» و «لا أب لك» وقولهم «يا ابن اللخناء»، وقولهم «قبَّحك الله» من الخطابات واللغات السائدة في العصور الغابرة، ورغم قبحها إلاَّ أنها في ذلك العصر لا تؤدِّي إلى قتل قائلها، ولا هجرانه وسجنه، لكنها اليوم قد تُطيح بقائلها! وهل ضمَّت درَّة ابن إباض شيئًا من ذلك؟ أم هي بذيئة لأنها صدعت بالحق فيما أحدثه معاوية بن أبي سفيان ومن كان سابقا عليه ومن بعده من خلفاء بني أمية؟
يبدو أنَّ الباحث لم يتصوَّر أمَّتنا في عصورها الغابرة إلاَّ كحالها اليوم، وهي في أضعف مرحلة، وأوهن حالة، يحاسبها عدوها على النقير والقطمير، ويشرف على كيفية أداء نقدها لخصمها، فيعلِّمها ألطف العبارات التي تحمل استجداء خصمها، والرضا بما يُشرِّعه لها.
لعلَّ الباحث يظن أن وضع أمَّتنا سابقا كوضعها حاليا من حيث التبعيَّة وضرورة المداهنة وعدم القدرة على الجهر حتى بما ورد في القرآن صريحًا محكمًا.
لعلَّه غاب عنه أيضا أن وضع «الشُّراة» سابقا من حيث الجهر بالحق، وصلابتهم ضدَّ محاربيهم، ولغة نقدهم مختلفة عن لغة أتباعهم اليوم، فهم يتخلَّون عن الأصول العقدية كالولاية والبراءة، ويترحمَّون على معاوية بن أبي سفيان وغيره من حكَّام بني أميَّة، بل يترحَّمون عن من كان يُفتي بقتلهم من فقهاء السلاطين، ويرون جواز هدم مساجدهم أو انتزاعها منهم وجعلها في يد مخالفيهم! ثم كان التنازل أيضا منهم في الفروع، فسعى بعضهم للبراءة من تراثنا المشرق، رغبة في التزلُّف من التيارات المهيمنة بالإعلام والسلطة، لعلها ترضى عنهم، وليس كثير من دعاة السلطة براض عنهم ما لم يبرؤوا من تراثهم، ويكفروا بفقهائهم، وينكروا صلتهم بأسلافهم أهل النهروان رحمهم الله.