مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

ردُّ الشبهات عن رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان إسماعيل بن صالح الأغبري

الجزء ٥ · صفحة ٢٤

يطيب لي أن أقول بأنَّ هذا القول ليس راجحًا، بل هو قولٌ مرجوح، فإن كان الباحث يراها مسبَّة ومذمَّة، وأنها «بذيئة» فكيف جاز له رميَها في سلَّة فرقة أخرى بغير بيِّنة ولا بُرهان؟ كيف تكون الرسالة المشرقة لشيعي، والشيعةُ بأقسامهم الغالية والمعتدلة تَدِينُ لله بولاية عليِّ بن أبي طالب، والتنصيص على أحقِّيته بالخلافة دون أبي بكر وعمر، وأنهما أخذا الخلافة قسرًا وقهرًا؟، ولا تجد شيعيًّا إماميًّا قديما يُثني على الخليفتين، بل حتى المحدثين منهم، ومن يوصف بالاعتدال يدين بأنَّ عليًّا هو أولى بالخلافة، وأنَّ خلافة السابقين له لم تصح.

إنَّ رسالة الإمام عبد الله بن إباض فيها من الثناء على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ما يمكن الباحث مراجعته، والأصحاب يقتفون أثر إمامهم، ولهذا لا يمكن أن تكون هذه الرسالة صادرة من فكر شيعي في ذلك العهد على الأقل.

رابعا: تساءل الباحث كيف لم يَقُم عبد الملك بن مروان بقتل عبد الله بن إباض إن كان خاطبه بتلك الرسالة القاسية؟


وهذا أمر عجبٌ! فقد خُوطب ملوكٌ سابقون بأشدَّ من هذا الخطاب، فعفَوا، وخوطب السفَّاح الحجاج بن يوسف بأشدَّ فعفَا، وخوطب كما يقال معن بن زائدة بأنَّه «ابن الناقصة» فلم يقم بردَّة فعل! وكُتب التاريخ مليئة بمثل هذه الحالات والحوادث.

على أنَّ ابن إباض تميميٌّ، وقبيلةُ تميم ذات انتشار واسع في الجزيرة العربية، بل في العراق، وإنَّ للقبيلة في ذلك الزمان شأنٌ كبير، يخطب الحكام ودَّها، طمعا في بيعتها أو على أقل تقدير صمتها، كما أنَّ لشيخ القبيلة السمع والطاعة العمياء، فابن إباض لم يكن نكرة، ومن نافلة القول أنَّ شيخ بني تميم الأحنف بن قيس كان إذا غضب فَجَرَّ سيفَه من غمده سُلَّت من سيوف بني تميم مئةُ ألف سيفٍ، لا يسألون شيخهم لِمَ سَلَّ السيفَ؟ ولِمَ أعاده إلى غمده وقِرابه؟

٩١ / ٤٤٩