مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

ردُّ الشبهات عن رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان إسماعيل بن صالح الأغبري

الجزء ٥ · صفحة ٢٦

أمَّا الاستدلال لهذا الوصف والتسويغُ له بأنَّ الإمام كان من «القَعَدة»، فهذا لا يعني البتَّة أنه وأصحابَه كانوا يُقِرُّون مُنكرًا من القول وزورًا، فشتَّان بين مصطلح «القَعَدَة» ومصطلح «الحياد». على أنَّ مصطلح «القَعَدَة» لم يختره الإباضية لأنفسهم، وإنما هو اختيار مخالفيهم من الخوارج، والخوارج كانت تدعو الإباضية إلى قتال كلِّ مخالف لهم واستباحة دمه، فلما لم يوافقوا أطلقوا عليهم تسمية «القَعَدَة»، فهذه منقبةٌ للإباضية، وإن قصد بها الخوارج النقيصة! وأمَّا الحيادُ دون نصرة الحقِّ فمنقصةٌ ولا ريب! إنَّ وصف ابن إباض وأتباعه بالقعَدَة لا يعني إلاَّ أنه لم يكن ليقاتل بباطل، وأمَّا وصفُه بالحيادي فيعني أنه قاعدٌ عن نصرة الحق، ومُقرٌّ بالباطل!

ثم كيف يكون ابن إباض «حياديًّا» وأتباعُه وأنصارُه يلاحَقُون؟ ثم كيف ينتخبونه ليدفع عنهم الشبهات بما أوتي من رجاحة العقل، وقوَّة المنطق، وسرعة البديهة مع العلم الغزير وهو غير متحمِّس لفكرهم؟ وكيف سيخلص لهم، وهو غير ميَّال إليهم؟

ألم يكن من «القَعَدَة» أبو بلال مرداس بن حِدير؟ أيمكن أن يوصف بأنه «حيادي»؟ إنه لم يستخدم السيف في الباطل، لكنَّه مع ذلك لم يكن حياديًا وقومُه يطارَدون، بل استخدم السيف وقاتل في موقعة «آسك»، فهزم الجيش الأمويَّ، ثم قاتل وقوتل، فتغلَّب عليه الأمويُّون بالخدعة، فسقط شهيدًا، فهل بعد ذلك يمكن أن نصف أبا بلال بالحيادي، لأنه من القعَدَة؟

إنَّ رسالة ابن إباض تلك هي من مناقب الإباضية وليست من مخازيهم، وستكشف قادم الأيام صدق ذلك، أليس ما يشهده عالمنا الإسلامي اليوم من رفض للطغيان والاستبداد ورفض للقمع الذي استمر عقودًا بل قرونا، مدعاة لأن تنشأ عنه دراسات؟ ألم يطالب كثير من العلماء بتجديد الفقه السياسي؟ وهل التجديد إلاَّ الأخذُ بمضمون رسالة الإمام ابن إباض في الصدع بكلمة الحق والنصيحة للحاكم مهما علا شأنه؟

٩٣ / ٤٤٩