مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

سيرة الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب

الجزء ١ · صفحة ١٥١

إشكالية أخرى وهي رفضهم للتصرف الذي قام به الإمام ودوافعه في ذلك (4).

والمتتبع لما قام به الإمام الصلت بن مالك وردة فعله على تحرك موسى بن موسى ومن معه ومطالبتهم إياه بترك منصب الإمام لتجعل منه داهية سياسيا ومحنكا عالما بالإمامة ومصوغات عزل الإمام وتنصيبه. فنجده يعتزل دار الإمارة لكنه يخلِّف وراءه وكيلا لها. ونجده يعترف باعتزاله ولكنه يرى أنه اعتزل الموضع ولم يعتزل الإمارة،

(1) العبيدلي، أحمد، الدولة العمانية الاولى (132 - 280هـ/749 - 893م)، دار جريدة عمان للصحافة والنشر، مسقط:1996م، ص:144 - 145. العبيدلي صنفهم في ست فئات ولكن الباحثة ترى أنها أربع فئات مختلفة تشمل الست التي ذكر العبيدلي. وهذه الفئات الثلاث سنجدها واضحة في سيرة الشيخ بشير محل الدراسة هنا.

(2). المسلمين مصطلح درج الإباضية على تسمية أنفسهم به.

(3). أبو المؤثر، الأحداث، ص: 10 - 11.

(4). الريامي، مرجع سابق، ص:69 - 70.

وإنما اعتزل حقنا للدماء حتى يرى العلماء أمرهم في الإمامة. كما أنه أنكر على المعارضة سلبها لبيت المال في ولاية إزكي ويؤكد أنَّ العُقولَ الراجحةِ من العلماء هي التي جعلت موسى بن موسى ومن معه يتجرؤون على مؤسسة الإمامة بهذه الطريقة. ولهذا يُثني السالمي على الصلت بن مالك فيقول: " يدهش المرء حينما يقف أمام هذه المبادئ الديمقراطية، ولا يسعه إلا أن يعجب بأخلاق الأئمة الذين كانوا لا يرون غضاضة أبدا، في التنازل عن أكبر مركز في الدولة إذا كان هذا الأمر فيه مصلحة الشعب نفسه" (1).

ومما أنكره العديد من العلماء على موسى بن موسى في هذه القضية كذلك أنه لم ينتظر قدومه لنزوى وإلى دار الإمارة بل عاجل بمبايعة راشد بن النظر مباشرة بعد اعتزال الصلت لها، مخالفا بذلك العرف السائد من العقد للإمام الجديد في عاصمة الإمامة وبحضور كبار العلماء من أهل الحل والعقد (2).

والغريب في الأمر كذلك أن الصلت بن مالك بعث بخَاتَم الإمامة والكُمَّة ومفاتيح الخزانة لراشد بن النظر ولم يعارضه بل وظل في جواره حتى وفاته سنة 275هـ/888م. لتبدأ عمان تاريخا سياسيا مليئا بالاختلافات السياسية والفكرية التي ستدخل البلاد في معمعة من الأحداث ستؤدي لحرب أهلية لتقع بعدها فريسة سهلة للدولة العباسية سنة 280هـ/893م.

ويُبدي الفضل بن الحواري (3) في كتاب له رأيه في الإمام الصلت بن مالك - وهو أحد العلماء الذين وقفوا مع موسى بن موسى من البداية - فيقول: " … والظاهر الشاهر أنه قد اعتزل لأنه قد ترك عسكر المسلمين وبيت مالهم وسلاحهم وترك سجنين مخوفين .. وركب بعيرا وخرج حتى

١٥١ / ٢٣٨