مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

التسامح في المدرسة الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٦

اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء» (2).

وفي هذا الموقف الشجاع يتبوأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - المقام الأعظم في التسامح، وكل من جاء بعده فهو تلميذ له في هذه المكرمة الإنسانية العالية.

4. ومن الصور العظيمة التي برز بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مجال التسامح عندما دخل شاب في مجمع من الصحابة يتصدرهم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا رسول الله إنني أستطيع أداء جميع فرائض الإسلام ولكنني لا أصبر على الزنى .. فعاتبه الصحابة وعنَّفوه .. فهدَّأهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال له: أدن مني .. فقال له: ماذا قلت؟ فأعاد له شرطه .. فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أترضاه لأمك؟ .. فقال: لا، ثم قال: أترضاه لأختك؟ فقال: لا .. ثم قال له: أترضاه لبنتك؟ قال: لا. فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «كذلك لا ترضاه لأم غيرك وأختهم وبنتهم» ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له قائلا: «اللهم حصن فرجه واهد قلبه واغفر ذنبه» (3).

المطلب الثاني: أهمية التسامح

تبرز أهمية التسامح في أشياء كثيرة توفر للفرد والمجتمع حياة سعيدة أذكر منها:

1) فتح باب الحوار ونبذ العنف والتطرف بين أفراد المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات وقبول الآخر.

2) محاربة التعصب السلبي للأفكار والترفع عن سفاسف الأمور.

3) الحصول على الاستقرار النفسي للأفراد والتطور الحضاري للمجتمع المسلم.

4) التعاون على البر والتقوى ودفع المضرة قبل جلب المصلحة في مختلف مجالات الحياة الإنسانية.

5) العمل على المحافظة على قوة المجتمع ووحدته عن طريق المصالحة ونبذ الافتراق.

6) حب الخير للجميع وتبادل الاحترام بين أفراده من مختلف الثقافات والملل والمذاهب.

7) التفكير الإيجابي في رعاية حقوق الآخرين ورفع الحرج عنهم.

(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عبيد مرسلا، رقم 1747.

(2) ابن هشام: السيرة، ج5، ص74.

(3) رواه أحمد، ج5، ص 656.

المبحث الثاني: أنواع التسامح ومجالاته

لقد مارس أتباع المذهب الإباضي «التسامح» في مختلف مجالات الحياة، وجسَّدوه واقعا عمليا استفاد منه الخاصُّ والعامُّ. أذكر منها نماذج للعبرة والادكار:

المطلب الأول: المجال الديني:

لم يكن في المذهب الإباضي تشدد في الأصول والفروع ولا تطرف، بل كان هناك اعتدال

١٦ / ٢٣٨