مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

التسامح في المدرسة الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٧

وتسامح، والدليل على ذلك هو تقبل كثير من الشعوب الدعوة إلى الإسلام على يد علماء المذهب الإباضي وتُجَّارِهِ من غير تقاطع ولا تصادم.

1. فقد وصل الإسلام إلى مالي وغانا على يد الشيخ علي بن يخلف الوارجلاني (1) سنة 575هـ في صحراء إفريقيا، وكان سبب ذلك أخلاقه العالية في المعاملة مع غيره، يقول الدرجيني: «وكان [ملك مالي] يتعجب من خلقه وخلقه وكثرة عبادته ومحافظته على دينه» (2).

2. ووصل الإسلام إلى الهند على يد التجار العمانيين الذين تصاهروا وانصهروا في مجتمع الهند (3) بخلق التسامح والتعاون.

3. وأما البحَّار التاجر أبو عبيدة عبد الله بن القاسم فقد أوصل الإسلام إلى الصين حوالي سنة 133هـ وسلك في ذلك منهج التسامح والرفق والرحمة حتى لقبه الإمبراطور الصيني (سون سين زون) بـ: «جنرال الأخلاقية الطيبة» لأنه كان رئيس الجالية العربية في الصين آنذاك وكانت له ممتلكات وقضى هناك عشرات السنين (4).

4. يقول الدكتور رجب محمد عبد الحليم: «ولذلك كان من مبادئ الإباضية بعد جابر الصلاة خلف أهل القبلة كلهم، وخلف الجبابرة في الأمصار التي تجب فيها صلاة الجمعة اقتداء بجابر؛ ولذلك كانوا يجيزون الإقامة في أي بلد غلب عليه الجبابرة، ويجيزون الغزو معهم أيضا، كما كانوا يأخذون بأحكامهم ولا يرون في ذلك بأسا طالما أن أحكامهم كانت موافقة للحق والعدل» (5).

المطلب الثاني: المجال السياسي:

(1) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، ج2، ص 340.

(2) المصدر نفسه، ج2، ص517.

(3) محمد صالح ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية، ص 292 ..

(4) المرجع نفسه، ص 294 - 295.

(5) الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ص 81.

1. لقد ضربت الدولة الرستمية أروع الأمثلة في المجال السياسي بفضل منهج التسامح الذي انتهجه أئمة الدولة الرستمية، فقد جمعت العاصمة تيهرت مختلف أتباع المذاهب الإسلامية الذين لجؤوا إليها ووجدوا الأمن والأمان، مثل المالكية والشيعة والنكار والمعتزلة، قال ابن الصغير: «ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله .. حتى لا ترى دارًا إلا قيل: هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين، واستعملت السبل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة» (1).

١٧ / ٢٣٨