مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

كتاب السِّير للشّيخ أحمد الشّمّاخي والبعد التّربوي فيه

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

في أتون هذه الحياة .. وكيف تمسّكوا بدينهم، وحافظوا على عقيدتهم، واستمرّوا في العمل والقيام بواجباتهم الدّينيّة والاجتماعيّة، وما هم مطالبون به .. واستمرّت معهم الحياة تمتحنهم وتقدّم لهم صنوفًا وأشكالاً من المظاهر، لهم وعليهم .. لكنّهم لم يتأخّروا ولم يغترّوا .. هذه الدّروس التّربويّة كانت من أهداف الشّمّاخي في سرد سير الأعلام الذين ترجم لهم في مصنّفه السّير. أو كانت حاضرة وماثلة أمامه وهو يصنّف كتابه، ويقدّمه لمن يُفيدُ منه تاريخًا مصبوغًا بالصّبغة التّربويّة ..

في الكرامات التي نقلها وأثبتها المصنِّف، من دون مناقشتها أو التّعليق عليها - في أغلب الأحيان - دروس تربويّة، توخّاها وهدف إلى الإرشاد إليها وتلقينها لمن يُفيدُ منها. فرغم ما يقال عن هذا المسلك، هي في نهاية المطاف عند الشّمّاخي مهمّة في تقديم توجيهات تربويّة؛ في الإيمان بقدرة الله على صنع كلّ شيء، وقوّته الكامنة في (كن فيكون). وفيها إرشاد إلى اليقين في الله في استمداد العون والنّصرة والحفظ منه … فما على المرء إلاّ أن يقدم على العمل غير هيّاب ممّا يلحقه فيه من مشقّة أو ردّ فعل عدواني، ولا خائف من الفشل، وغير فَزِعٍ من كيد الحسّاد، ويتحرّك بعيدًا عن الرّعب ممّن يطغى ويتجبّر، والاستسلام للضّعف والوهن؛ بسبب ظروف قاهرة، أو عدوّ قاهر، فإنّ القاهر لكلّ ذلك هو المهيمن الجبّار المتكبّر ..

الكلمات الأكثر ورودًا في الكتاب، أي إنّ الشّيخ الشّمّاخي استعملها كثيرًا، وهو ما يعطي الانطباع على قصده إلى نثر توجيهات تربويّة للإفادة من سير من ترجم لهم. هذه الكلمات هي: علم، عمل، حلم، تقى،

فقه، دين، دنيا، الحقّ، فضل، صلاح، زهد، القوّة، الشّجاعة، العدل، السّخاء، الحزم، العزم، النّسك، الأدب، الحكمة، الحياء، الخلق الكريم، المنزلة العليا، أحسن السّيرة، حسن عشرة ..

قال مثلا عن عاصم السّدراتي: "وكان رحمه الله تعالى جمع العلم والعمل والجهاد والحزم وشدّة العزم والرّأي … " (1) وقال عن عمر بن يمكتن: "ساد أهل زمانه علمًا وعملاً، وسارع إلى الخيرات قولاً وفعلاً." (2)

هذه الكلمات تحمل دلالات خاصّة، تتضمّن قيمًا حضاريّة، استثمرها الشّيخ الشّمّاخي في التّوجيه التّربوي والتّكويني والإعدادي ..

الجانب الحضاري بارز في الكتاب، فمن قام بدراسته برويّة وعمق، يجد نفسه يسير في دراسته وتعليقاته مردّدًا كلمة حضارة وما اشتقّ منها. الشّاهد على هذا ما نجده متردّدًا ومتكرّرًا في دراسة الدّكتور محمد حسن لكتاب السّير .. فقد وجدناه يكرّر لفظة (حضارة) بمشتقّاتها عشرات المرّات .. هذا استنتاج وصل إليه الدّكتور، ممّا أوحت به الرّسالة الذي يحملها كتاب الشّمّاخي، وهي الرّسالة التّربويّة …

إنّ البعد التّربوي في كتاب سير الشّمّاخي ينكشف ويظهر فيما يأتي:

1. من خلال الوقوف على المعاني الحضاريّة فيه .. التي تسعى إلى بناء المجتمع على قواعد العمل

١٦٩ / ٢٣٨