مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

كتاب السِّير للشّيخ أحمد الشّمّاخي والبعد التّربوي فيه

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

لا تعلمون} (الأعراف:38) " (1).

الوفاء، السّماحة، حسن المعاملة، الإنصاف، تمثيل حقيقة الإسلام، تطبيق شرع الله، تحمّل المسؤول مسؤوليّته، مقابلة الإساءة بالإحسان، بيان أنّ الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، وأنّ الله يفضح العبد المذنب إذا لم يعترف بذنبه ولم يتُب، الدّعاء الموجّه إلى الله وحده خالصًا مستجابٌ بإذنه …

هذه الدّروس والعبر والمواعظ المستفادة من هذا المشهد. هي تربّي الفرد على الالتزام بشرع الله، والتّحلّي بتقوى الله في السرّ والعلن .. هذه المعاني يريد الشّمّاخي الكشف عنها في مواقف الأعلام وأصحاب السّير؛ ليُفيد منها من يريد أن يتعلّم ..

جـ - مواقف من سيرة الإمام عبد الرّحمن بن رستم.

روى الشّمّاخي عن الإمام عبد الرّحمن بن رستم طرفًا من عدله وسياسته الرّشيدة وهو في الحكم، وحسن تدبيره لشؤون الدّولة، وقدّم صورة عن أخلاقه،

(1). كتاب السّير، ج1، ص: 117، 118.

التي تقدّم نموذجًا للقائد الذي يقدّم دروسًا عمليّة للرّعيّة، بمشاركته في حياتهم؛ باعتباره أحدَ أفراد المجتمع، وبصفته فردًا مسلمًا يقوم بما يقوم به المسلمون، لا اعتبار لمنصبه ومستواه الاجتماعي، ولا لمرتبته في قومه .. في هذا العرض ما فيه من دروس تربويّة للخلق كافّة، أن ينشؤوا على حبّ العمل والتّواضع للنّاس .. وغير ذلك من الخلال التي تثبت إنسانيّتهم بعامّة، وصفتهم الإيمانيّة الإسلاميّة بخاصّة.

من هذه الرّوايات أو المشاهد ما حصل حين وصلت أحمال من المساعدات الماليّة للدّولة الرّستميّة من أهل البصرة .. " فلمّا بلغت الرّسل إلى تيهرت ألفوا الإمام فوق دار يُطيِّنُها والعبيد يناولونه الطّينَ، فسألوا العبيد أن يستأذنوا لهم على الإمام، وقد سمع قولهم وما طلبوا، فنزل وغسل الطّين، فأذن لهم فدخلوا، فسلّموا وردَّ عليهم، وفتّتَ لهم خبزًا، وعصر عليه عكّة، فلمّا أكلوا خلصوا … " (1).

ما هذا المشهد البديع في معناه! ما هذا المنظر الرّفيع في مبناه! رئيس دولة يقوم بالعمل بالطّين ليبني دارًا! إمام المسلمين يناول ضيوفه طعامًا بنفسه! وأيّ طعام كان من نصيب قائد الأمّة ورئيس الجماعة، طعام متكوّن من خبز وعكّة .. أليس في هذا إرشاد للنّاس أن يكونوا في مثل هذه الأخلاق، وأن تكون حياتهم بسيطة كما كانت حياة رئيس الدّولة عبد الرّحمن بن رستم؟! درس تربوي آخر من دروس كتاب سير الشّمّاخي نتعلّمه!!

بعد هذا الإكرام، قدّم الوافدون على الإمام ما أتوا به من مال لرئيس الدّولة، قبل أن يقبل هذا المال: " نادى الصّلاة جامعة، فلمّا صلّوا شاور أخيار المسلمين وذوي الرّأي والفقه منهم، فأشاروا

١٧٢ / ٢٣٨