مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

كتاب السِّير للشّيخ أحمد الشّمّاخي والبعد التّربوي فيه

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

عليه أن يفرّقه في ذوي الحاجات، ففعل ذلك بمحضر الرّسل. فلمّا رجعوا أخبروا بما رأوا وشاهدوا من عدله .. " (2).

ماذا في هذا مشهد؟:

1 لجوء الإمام عبد الرّحمن إلى المشورة، قبل اتّخاذ القرار في شأن المعونة القادمة من المشرق إلى الدّولة، التي هو رئيسها ..

2 المشورة خصّ بها أهل الرّأي، وأهل الحلّ والعقد، أي سراة القوم: الحكماء الحصفاء .. وفي هذا ما فيه من حسن التّفكير والتّدبير والتّسيير لأمور المسلمين.

3 تصريف المال في الحاجات الضّرورية، وإعطاؤُه لمن يستحقّه، ما دامت هي مساعدات، بذلك تأتي المساعدة بثمراتها، بعد أن وجدت طريقها إلى أهلها. وفيه أيضًا ترشيد الإنفاق، وسدّ الحاجات ..

(1). المصدر السّابق، ص: 125.

(2). المصدر السّابق، ص: 126.

4 عدم الاستحواذ على المال، والتّصرّف فيه من دون النّظر إلى الأولويّات؛ بأخذ رأي الجماعة، والإسلام دين الجماعة، ومنهجه الجماعيّة في التّسيير .. عدم مراعاة هذا الأمر وعدم الالتزام به خطأ في التّدبير وخلل في التّسيير .. يجب تفاديهما … وقد فعل عبد الرّحمن بن رستم .. فلنَعِ هذا الأمر جيّدًا ..

بعد أن رجع الوافدون الحاملون للمساعدة الماليّة إلى البصرة، ونقلوا الصّورة الرّائعة التي شاهدوها في حضرة رئيس الدّولة الرّستميّة .. اطمأن أهل المشرق لسيرته، فجاءت المكافأة على ذلك بمعيار (لئن شكرتم لأزيدنّكم)، فكانت الزّيادة هذه المرّة أضعافًا مضاعفة. فبعد أن كانت في المرّة الأولى ثلاثة أحمال، صارت عشرة أضعاف أو أكثر بقليل .. فماذا وكيف كان ردّ فعل الإمام هذه المرّة؟

"فلمّا وصلوا إلى تيهرت وجدوا البلد قد تغيّر عمّا تركوه عليه … فلمّا تلقّوا النّاس سألوهم عمّا أتوا به، قالوا مال للأمير، قالوا إن قبله منكم. فلمّا بلغوا وجدوه على حاله الذي تركوه عليه، فأخبروه بالمال، قال: قد علمتم السّيرة، فنادى: الصّلاة جامعة، فلمّا صلّوا واجتمعوا شاورهم على عادته، قالوا الرّأي إليك. فلمّا ردّوا الرّأي إليه قال للرّسل: ارجعوا بمالكم، فإنّ أربابه أحوج إليه منّا؛ لأنّا في أرض قد استولى عليها العدل، وهم في بلد غلب عليهم الجور، يدارون به عن أنفسهم ومالهم ودينهم …

قال أبو زكريّاء: وشقّ ذلك على الرّسل. ولم يكن لهم بدٌّ من طاعة الإمام، فردّوها إلى المشرق، فتعجّبوا من زهده في الدّنيا ورغبته في الآخرة، واعترف كلّ إباضي بإمامته ووصلوه بكتبهم ووصاياهم." (1).

١٧٣ / ٢٣٨