مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

كتاب السِّير للشّيخ أحمد الشّمّاخي والبعد التّربوي فيه

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

ماذا قدّم النّصّ من دروس وعبر ومعانٍ ومغازٍ؟؟ قدّم الكثير، منها ما يأتي:

1. أبرز خلق الإيثار، من نوع خاصّ، ايثارُ رئيس دولة غيرَه على ما تفضّل به المنعمون، إذ أرجعها إلى مصدرها، مكان من تصدّق به، رأت أريحية الرّئيس أنّ أهلها الحقيقيّين هم من تكرّموا بها .. هذا التّصرّف من قائد على الجماعة درس لأولي الأمر والمسؤولين، ليعرفوا لكلّ حال ما يصلح لها، ولا يكون بريق المال مطمعًا لهم على استغلاله من دون تفكير وتدبير سليمين.

2. كشف عن متابعة إمام للمسلمين في المغرب مما يدور ويحدث في المشرق … هذا من تمام الاهتمام بشؤون المسلمين عامّة. كما أبرز هذا التّصرّف قوّة التّواصل بين المشرق والمغرب.

(1). المصدر نفسه.

3. بيّن مدى تقدير الظّروف، ومعرفة مَنِ الأولى بمن تقدّم له المساعدات ..

4. سجّل صفات: الزّهد في الدّنيا، والابتعاد عن الجشع، واستغلال النّفوذ.

5. أظهر قيمة طاعة أولي الأمر، ولو كان فيه إحراج .. كما حصل لرسل المشرق، حين عزّ عليهم أمر إرجاع المساعدات إلى حيث أتت، وشقّ عليهم عدم بلوغها إلى حيث قصد أصحابها .. لكن طاعة أولي الأمر، كما جاء بذلك الدّين الحنيف أولى وأجدى وأوكد ..

6. ثمّن خلق تقدير أصحاب الأخلاق العالية، وحسن تصرّفاتهم، والاعتراف لهم بما يمتّعون به.

أليست هذه كلّها دروسًا تربويّة، تسعى إلى بناء الشّخصيّة، وتشييد قواعد العمل المؤسّس الذي يقدّم إضافات إلى الحياة لتستقيم، من أيّ فرد في المجتمع، وخاصّة إذا كان هذا الشّخص قائدًا أو رئيسًا أو زعيمًا، فما بالك إذا كان إمامًا للمسلمين .. !

د - حفظ عمر بن يمكتن للقرآن الكريم.

ذكر الشّمّاخي عن عمر بن يمكتن، أنّه أوّل من علَّم القرآن في جبل نفوسة، نقلا عن ابن سلاّم. وكان ذلك في منزل يقال له (إيفاطمان).

فيما نأخذه من الرّواية الآتية عن تعلّم عمر يمكتن القرآن الكريم عبرة ودرس، هو طريقة تعلّمه وجدّه وحرصه الذي لم تقف أمامه قلّة الإمكانات أو عدم توفّر الظّروف، فكان ممّن طبّق ما قال الشّاعر:

بقدر الكدّ تكتسب المعالي … ومن طلب العلا سهر اللّيالي

ومن طلب العلا بغير كدٍّ … أضاع العمر في طلب المحال

"ويقال إنّ عمر بن يمكتن إنّما تعلّم القرآن بطريق مغمداس، يتلقّى فيها السّابلة من المشرق، فيكتب عنهم لوحه من القرآن، وينصرف، فإذا حفظه رجع إلى المحجّة فيكتب من المارّة والرّفاق كذلك، حتّى حفظ القرآن، وتعلّم العلم … " (1).

١٧٤ / ٢٣٨