التواصل بين إباضية المشرق والمغرب في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة
الجزء ١ · صفحة ١٨٣الإفريقي يعود إلى فترة مبكرة من تاريخ الإسلام بالمنطقة، فلعل دخولهم إليها كان بعد سنة 78هـ/697م، ففي هذه السنة فرّق الحجاج بن يوسف الثقفي شمل الخوارج في العراق ولربما وصلوا إلى المغرب أيضا (3)، هروبًا من بطش الحجاج وسياسته التعسفية تجاه الحركات المناوئة للسلطة الأموية.
لم يكن اختيار الداعية سلمة بن سعد من طرف الإمام أبي عبيدة مسلم اعتباطيا، فظاهر من خلال تحركاته في بلاد المغرب الإسلامي والسياسة التي انتهجها لاستقطاب أفراد جدد إلى صف المذهب الإباضي أنه كان داعية بارعا ومحنكا وخضع إلى تكوين جيد، ذلك أنه وبعد أن استقر به المقام في شمال إفريقيا رفع شعارات كانت تجد لها صدى كبيرا بين البربر، منها المساواة والعدل ورفع الظلم ومبادئ الأخوة الإسلامية، كما كان مدفوعا بحماس وطموح كبير في سبيل نصرة قضيته، إذ يُروى عنه أنه كان يقول: (وددت أن لو ظهر هذا الأمر يعني مذهب الإباضية يوما واحدا من أول النهار إلى آخره فلا آسف على الحياة بعده) (4).
يظهر أن الهدف من السفرية التي أوكلت إلى سلمة بن سعد من طرف إمامه أبي عبيدة، كان بالإضافة إلى الدعوة إلى مذهبه، محاولة استطلاع أحوال تلك المنطقة والوقوف على مدى استعداد أهلها لتقبل آراء جماعة المسلمين التي ينادي بها الإباضية (5).
أثمرت جهود سلمة بن سعد بتوجه محمد بن عبد الحميد بن مغطير الجنَّاوني النفوسي (6) إلى المشرق للاستزادة من تعاليم المذهب
(1). أنظر حول الموضوع خاصة: ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، تح: عبد المنعم عامر، ج1، شركة الأمل لطباعة والنشر، القاهرة، 2001، ص287 إلى ص300. وابن عذاري (أبوعبد الله محمد المراكشي كان حيا 712هـ)، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تح: ج. س. كولان و إ. ليفي بروفنسال، ج1، دار الثقافة، ط2، 1980، ص47 إلى ص69. و ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج4، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1987، ص64 إلى ص87. وابن خلدون (أبو زيد عبد الرحمن بن محمد ت808هـ/1406م)، ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ج4، دار الفكر، بيروت، 2000، ص240 إلى ص244.
(2). عمرو خليفة النامي، المرجع السابق، ص111.
(3). مسعود مزهودي، جبل نفوسة في العصر الإسلامي الوسيط (21 - 442) ه (642 - 1053) م، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، 2010، ص69.
(4) أبو زكرياء، المصدر السابق، ص26.وأبو العباس احمد الشماخي، المصدر السابق، ج01، ص212.أبو العباس أحمد الدرجيني، المصدر السابق، ج01، ص10 - 11.
(5) عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، المطابع الذهبية، ط01، مسقط عمان، 2002،