التواصل بين إباضية المشرق والمغرب في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة
الجزء ١ · صفحة ١٩٤عبد الأعلى بن السمح المعافري (1) وهو عربي من اليمن، وقد سمي هؤلاء في المصادر الإباضية بحَمَلَة العلم إلى المغرب.
أمّا تاريخ رحلتهم إلى المشرق فلا تذكره المصادر إلا أنها تشير إلى رجوعهم عام 140هـ/758م، ولما كانت المدة التي قضوها في البصرة خمس سنوات، فمن المرجح أنهم توجهوا إلى المشرق عام 135هـ/753م. (2)
بقي حمَلة العلم خمسة أعوام متتالية يتلقون العلم عن إمام الإباضية أبي عبيدة التميمي في مدرسته التي أقامها لهذه الغاية في سرداب سري في البصرة، وبعد أن أتموا مهمتهم واطمأن الإمام إلى تعمقهم في معرفة أصول المذهب وإحاطتهم بشتى العلوم والمعارف التي تلزمهم لمواجهة التحديات التي قد تطرأ عليهم في بلادهم، عزم حملة العلم المغاربة على مغادرة البصرة والعودة إلى بلدهم كلموا شيخهم أبا عبيدة واستشاروه في إقامة إمامة في بلادهم إذا أنسوا من أنفسهم القوة، فقال لهم أبو عبيدة: (توجهوا إلى بلادكم، فإن كان في أهل دعوتكم ما تجب به عليكم التولية في العدد والعدة من الرجال، فولوا على أنفسكم رجلا منكم، فإن أبى فاقتلوه فأشار إلى أبي الخطاب رضي الله عنه) (3)
و قد أشار عليهم أبو عبيدة باختيار أحد رجال المذهب من عرب المشارقة لزعامتهم ولما له من دراية بأحوال المغرب ولحصافته ودرايته بأحوال السياسة وفنون الحكم، واشترط ضرورة حشد القوى المادية والمعنوية لذلك.
كما تخصص بعض أفراد الوفد في مسائل الفقه والشريعة لمواجهة ما يعن لهم من مسائل تتعلق بالثورة ومواجهة الخصوم، وإدارة الأقاليم التي
(1). أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني (أبو الخطَّاب) (ت: 144هـ / 761م): من علماء اليمن في القرن الثاني الهجري، أخذ علمه عن أستاذ المذهب أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة، وهناك التقى بالطلبة المغاربة الذين وفدوا إلى أبي عبيدة لطلب العلم سنة 135هـ، تولى إمامة الإباضية بطرابلس سنة 140هـ، واستطاع الإمام - بعد ذلك - أن يطهِّر القيروان من جور قبيلة ورفجومة الصفريَّة، وانتصر في معركة مغمداس سنة 142هـ، على جيش العبَّاسيِّين بقيادة أبي الأحوص العبَّاسيُّ، امتدَّ سلطان دولته شرقًا إلى برقة، وغربًا إلى القيروان عاصمة بلاد المغرب الإسلاميِّ، وجنوبًا إلى فزَّان، وخشي الخليفة العبَّاسيُّ أبو جعفر المنصور عواقبها في زعزعة ملكه، فبعث إليه جيشًا ضخمًا بقيادة محمَّد بن الأشعث الخزاعي، الذي قضى على أبي الخطَّاب وإمامته، في معركة تاورغاء سنة 144هـ. جمعية التراث، المرجع السابق، مج03، ص505 - 507.
(2). عوض خليفات، المرجع السابق، ص137. أبي زكرياء يحي، المصدر السابق، ص36. وأبو العباس أحمد الدرجيني، المصدر السابق، ج01، ص21.