أسس الحوار والتفاهم بين المذاهب الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٠المناسبة، وتدخل ضمن البند الثاني من المحاور وخاصة الفقرة الثانية منه والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
تمهيد
من المعلوم والمسلَّم به أن المولى عز وجل وهو الخالق الحكيم قد جعل الناس مختلفين في ألسنتهم وألوانهم وأقوامهم وأعرافهم ومداركهم وتصوراتهم، وأسكنهم أرضه الفسيحة، واقتضت حكمته أن يتعارفوا بينهم ليعيشوا بسلام على هذه الأرض، ولذا جاء في الكتاب العزيز قوله عز من قائل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (1) وبطبيعة الحال يكون من عصاه فيها فاجرا مخذولا لأنه خالف الحكمة من هذا الخلق. ولذا: فإن الله جل شأنه لم يرد أن يكون اختلافهم في ألوانهم وألسنتهم مدعاة إلى النزاع والشقاق بل جعله الله دافعا إلى التآلف والوئام.
ذلك لأن الآية الكريمة السابقة تلفِت نظر الناس جميعا إلى حقيقة ثابتة لا جدال فيها وهي وحدة الأصل الإنساني، لكنه بحكمته جعلهم شعوبا وقبائل لأجل التعاون والتآلف بدليل لام التعليل في الكلمة، ولكن طبيعة البشر الاختلاف لاختلاف المدارك والتصورات.
وقد ذكر المولى عز وجل الاختلاف في آية كريمة أخرى حيث قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (2)
لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يكون هو السائد وإنما هو عرَضي بل المطلوب في أصل الخلق هو التعارف كما تدل عليه كلمة (لتعارفوا).
ونظرا إلى أن هذا الاختلاف حقيقة واقعة لاشك فيها إلا أنه لا ينبغي أن يتغلب على العلة في الخلق وهو التعارف المبني على الاحترام المتبادل والفهم المقنع والتعاون المشترك بين الجميع.
إذا كانت هذه هي الحكمة من خلق البشر جميعا على اختلاف أصنافهم، فمن الأولى أن يكون ذلك شأن الأمة المسلمة التي ينبغي عليها أن تضع ذلك في اعتبارها، وفي مقدمة أولوياتها، حيث أراد الله
(1). سورة الحجرات، الآية 13.
(2). هود: 118 - 119.
لها أن تكون أمة واحدة قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (1) وقال: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ (2).
وذكر عن معتنقي الإيمان به عز وجل إنهم إخوة وعبَّر عن ذلك بأداة الحصر التي لا ينبغي أن تنفك عنها حيث قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (3)، كما ذكر في معرض خطابه للمسلمين عامة والذين في عصر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام خاصة الامتنان بالإسلام الذي وهبه لهم حيث قال: