مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

أسس الحوار والتفاهم بين المذاهب الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٣٦

واحدا تطرح فيه جميع الأفكار المؤدية إلى النجاح المطلوب.

أما البلد الثاني فهي أم القرى حرم الله الآمن والبلد الأمين، لأن الدعوة الأولى انطلقت منه والبلاغ إلى المسلمين سيكون منه حتى لو كان في أيام الحج والمسجد الحرام جدير بأن ينطلق منه صوت الوحدة ونداء التقارب والتفاهم مع الاحتفاظ بجهود المؤسسات الأخرى، والاستفادة منها بحيث تتحد الجهود المبذولة من جميع المؤسسات الإسلامية لتصب في قالب واحد هو التفاهم والحوار من أجل الوصول إلى الهدف المنشود، فإذا انطلقنا من هذه المنطلقات الأربعة التي ذكرتها فعسى أن يبرز الجهد ويتحقق الوصول إلى التفاهم حول الأسس المقترحة. وأوجز هذه المقترحات فيما يلي:

أسس الحوار

إذا كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يأخذون عن بعضهم البعض الحديث والعلم وقد يختلفون في مسائل الرأي، وإذا كان التابعون بعدهم قد حذوا حذوهم في ذلك ولم يجدوا في أنفسهم حرجا من أن يأخذ الأصاغر عن الأكابر والحافظ يأخذ عمن هو أحفظ منه، فضلا عن أن غير الحافظ يأخذ عنهم جميعا كما أنهم ابتعدوا عن التقليد، بل أمعنوا النظر في الآيات القرآنية والسنة النبوية وأجمعوا على أمور استندوا فيها إلى أدلة الكتاب والسنة، وافترقوا على أمور للنظر والفكر فيها مجال، وتبعهم بعد ذلك أئمة المذاهب ولم يرض هؤلاء الأئمة بتقليد الناس لهم، واعترفوا فيما روي عنهم بوقوع الخطأ منهم في الاجتهاد فكيف بنا الآن ونحن في هذا العصر الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى التماس العذر لبعضنا البعض ونبذ الشقاق والفرقة والتفسيق بله التكفير.

مع أننا لو أمعنا النظر جيدا واطَّرحنا الأفكار البالية الجامدة خلف ظهورنا، فإننا لن نجد كبير خلاف بين كل من مذهب أهل السنة والشيعة الإمامية مثلا ولا بينهم جميعا وبين مذهب الإباضية ولا بينهم ومذهب الشيعة الزيدية.

إذا أن أبا حنيفة مثلا هو تلميذ للإمام زيد بن علي حيث أخذ عنه الفقه وأصول العقائد، والإمام زيد تلميذ لواصل بن عطاء أحد رؤوس المعتزلة وكان ملازما له، كما أن الإمام مالك بن أنس كان تلميذا للإمام جعفر الصادق وكان كلاهما إمامي المذهب، بل كان كل منهم يحترم الآخر ويجله ويحترم آراءه، كما يروى أن البخاري أخذ عن عمران بن حطان وقد تلقى عنه الحديث ودونه كما أن واصلا وعمروا بن عبيد المعتزليين أخذا عن الحسن البصري وكان جابر بن زيد والحسن البصري يأخذ بعضهما من بعض، واعترفا بقوة الباع في العلم وبعد النظر لبعضهما البعض، وإذا كان هؤلاء الأئمة هم أئمة المذاهب وبعدهم الشافعي واحمد قد ابلوا بلاء حسنا في جمع العلم ونشره وتلقوا الحديث ثم رووه، وجاهدوا في دين الله حق جهاده وقد عذر بعضهم بعضا في الخلاف، ونظروا إلى الهدف الأسمى وهو هداية الأمة ومنفعة أبنائها بغيث الرسالة، واهتموا بنشر الهدى بين الناس تحت مظلة التوحيد ومقاصد الشريعة الواسعة، فلماذا لا يعذر بعضنا

٣٦ / ٢٣٨