مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

لوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٤٤

نصحوا لله ورسوله ولكتابه وللمسلمين قد عرَّجوا على هذه الآيات بالدَّرس فاستكشفوا من غوصهم في لججها المفاهيم الحقَّ التي لا تدع لغيرهم مجالا، مهما بذلوا في الجهد مُحالا، فما ترك الأولون للآخرين مقالا، ومن قصد البحر استقلَّ السواقي، وإن كان لا محالة من القول فمن باب الذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، وقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، وعلى هذا النوى يحمد القوم السرى، ويبعد المرء عن نفسه المراء.

لقد سلك القرآن الكريم في بناء الوحدة مسالك عدَّة، وجاء في رباط الأواصر بروائع جدًّا، مازج فيها بين استدرار المنطق العقلي، واستدراج الوازع الديني، واستفزاز العامل النفسي، وتصريف المثل الحسِّي، بين شيء أراده المولى، وشيء ندب إليه، وشيء نهى عنه، وشيء حذر منه، كلُّ ذلك من أجل تحقيق الغاية المثلى التي أرادها لعباده ليحقِّقوا ما أرادوا من غزة وتمكين، ولا يتَّسع المقام لاستقصاء كلِّ ما ورد في القرآن الكريم من دلالات وشواهد، ومقامات ومراصد، وحسبنا من ذا ضرب أمثلة، واستعراض نماذجَ تُبين عن مكنون ما نريد الوصول إليه من خلال هذه

(1). الزمر:15.

المداخلة القصيرة، ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (1) وقد أدرجت في هذه الورقة أربعة عوامل أعرضها على حضراتكم على سبيل الاستسقاء، لا على سبيل الاستقصاء.

أوَّلا: عامل إرادة الوحدة:

لقد جاء القرآن بآيتين عظيمتين بيَّن فيهما إرادة البارئ تعالى في جعل أمة الإيمان أمة واحدة، وإرادتُه لا محالة محقَّقة، لا يمكن اعتراضها دون تحقيق مرادها، لأنَّ كلَّ شيء أراده الله وقع، وكلَّ شيء وقع كان كما أراد، ومن ثمَّ يستأنس المؤمن من أنَّ عامل الإرادة الإلهية في تحقيق الوحدة ظاهر ولا بدَّ طال الزمان أو قصر، مهما حاول الشانئ، وطاول المناوئ، بالرغم من شدَّة العواصف والنوازع، وحدَّة الزواحف والزعازع، فما ذاك إلاَّ سراب خادع في صحراء لا يروي أحدًا، أو غراب ناعق في بيداء لا يروِّع أسدًا، فربُّك بالمرصاد يقول في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (2) وفي سورة المؤمنون، يقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (3) لقد جاء التدليل على إرادة الوحدة مؤكَّدة من قبل الحقِّ تبارك وتعالى في الآيتين بحرف التوكيد إنَّ، وباسم الإشارة هذه التي تدلُّ على التخصيص، وبالحال أمَّةً التي تدلُّ على التنصيص، فكيف يعقل بعد كلِّ هذه التوكيدات أنَّ تكون هذه الوحدة وهميةً لا يمكن أن تتحقَّق لمن جاء بالقيدين، أو اقترن بالشرطين، شرط العبادة في قوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ وشرط التقوى في قوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ فالذي يجب علينا أن ندركه معشر المؤمنين أنَّ الله تعالى لم يحدِّد مَن تَحقُّ لهم الوحدة بالجنس أو الزمان أو المكان، وإنَّما قيَّدها بتحقُّق

٤٤ / ٢٣٨