لوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٤٥الفعلين العبادة والتقوى، فمن جاء بهما جاءته الوحدة مرغمًا وعاش في صبح من النور مُلهم، ومن تركهما تركته ممرَّغًا، وعاش في ليل من الشك مظلم، فعلينا نحن أهلَ هذا الزمان الذي تشرذمت فيه أواصر المسلمين فكانوا شيعًا، وتبهدلت فيه مظاهر المؤمنين فكانوا ضَيعًا، أن نتساءل بحقٍّ، ونجيب بصدق عن هذين السؤالين: هل نحن عابدون لله؟ هل نحن متَّقون لله؟ وأنا أقول والعقيدة تغمر قلبي، وأجيب بالمنطق العقلي الذي يغمره إيماني أنَّ المسلمين ليسوا كذلك، لأنَّهم لو كانوا كذلك لكنَّا أمَّة واحدة بالأمر الإرادي الذي أراده الله تعالى للأمة، لا بإرادة الأمة له، وليس معنى هذا أنَّ الواقع المرير الذي يعيشه المسلمون اليوم غالب على إرادة الله في تحقيق وحدة الأمة، كلاَّ، فما هم إلاَّ بشر ممَّن خلق، وهو قادر على أن يستبدلهم بقوم غيرهم يحقِّقون العبادة والتقوى فيحقِّق لهم ما أراد من تمام الوحدة والقوة ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (4) هذا والملفت للنظر حقًّا اختيار الله تعالى للسور التي أورد فيها هتين الآيتين، فقد وردت الأولى في سورة الأنبياء، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ. ووردت الآية الثانية في سورة المؤمنون والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (5) فالعلة الجامعة بين الأنبياء والمؤمنين هي علة الأخوة، إذن فالوحدة لا تحقِّقها إلاَّ الأخوة، والأخوة لا تحقِّق إلاَّ الوحدة، وهذا ما يقتضيه المنطق القويم والعقل السليم. ولكن بماذا قابل المسلمون هذه الأخوة المترتبة عن الوحدة؟ قال الله تعالى ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ (6) وقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (7) هذا هو الواقع المرير والأسف يمزق الفؤاد أبدًا، ويقطع الأحشاء كمدًا ما نراه رأي العين، يسود بلاد الإسلام، وإنَّ الله لا يغيِّر ما بقوم حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم.
ثانيا: عامل الندب إلى الوحدة:
يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (8) إنَّ المتأمِّل في الآية الكريمة لتواجهه الحقيقة الماثلة في الجمع بين عوامل ثلاثة: الأمر
(1). الزمر:27.
(2). الأنبياء:92.
(3). المؤمنون:52.
(4). محمد:38.
(5). الحجرات:10.
(6). الأنبياء:93.