مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

لوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٤٦

(7). المؤمنون:53.

(8). آل عمران:103.

والنهي والتذكُّر، الأمر بالاعتصام بحبل الله، النهي عن التفرقة، التذكر بنعمة الله في التأليف، وكلُّ هذه لتأكيد المراد وقد يؤكَّد الشيء بنفي ضدِّه، وكان يكفي ذكرُ أحدها في الدلالة على غيرها، ولكن لعظم شأن الوحدة في مراد الخالق جلَّ وعلا، ومفهوم الإسلام عزَّ وسما أوردها الله تعالى جميعَها استثارةً لمختلف النوازع البشرية، واستنفارا لكلِّ الميول النفسية، فمنهم من يثيره الأمرُ فيجيب، ومنهم من يستنفرُه النهي فينتهي، ومنهم من يستعطفُه التذكر فيقبل، فلا يخرج أي إنسان من دائرة القصد والبيان، فتقوم الحجة ظاهرة على الجميع. كما تدلُّ الآية بورود أفعالها متصلة بضمير الجماعة أنَّ حقيقةَ الاعتصام بحبل الله، وعدمَ التفرُّق، وذكرَ نعمة الله لا يتحقَّق إلاَّ إذا كانت بصورة جماعية من عامة المسلمين لا فردية من بعضهم، كما دلَّ ذلك قوله تعالى قبل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (1) فكما أنَّ الأمرَ بتقوى الله حقَّ تقاته، وعدمَ الموت إلاَّ مسلمين موجَّه إلى كافة المؤمنين، كذلك كان ما بعده موجَّهًا إلى عامتهم، ومفاد ذلك أنَّ الوحدة لن تتحقَّق للمؤمنين باستعصامهم بحبل الله فرادى، وبعدم تفرُّقهم فرادى، وبذكرهم نعمة الله فرادى، بل لا بدَّ من التوحُّد جميعًا على هذه الأركان الثلاثة، وإلاَّ ضاعت منهم المصلحة، وفاتتهم الفائدة. يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: ليس المقصود من الآية الأمرَ باعتصام كلِّ مسلم في حال انفراده اعتصامًا بهذا الدين، بل المقصود الأمر باعتصام الأمة كلِّها اه. ومن ثمَّ كانت العبادات في الإسلام شعائرَ، والشعائر ما يؤدى بصورة جماعية. كما أنَّ المراد بحبل الله تعالى ليس إلاَّ كتابَه كما ورد في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هو حَبْلُ اللهِ الْمتِينُ، وهو النور المبين وهُوَ الشِّفَاءُ النَّافِعُ، عِصْمةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، ونَجَاةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ (2). فيا ترى ما نسبة المسلمين الذين يعتصمون بحبل الله فيجعلون القرآن منهج حياة، بنوره يستضيئون، وبحكمه يلتزمون؟ يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: لقد انفضَّ المؤمنون عن الجامع الذي يجمعهم بأمر الله فانفضت عنهم الوحدة، وتدابروا حتى لم يَعُدْ يجمعهم إلا قَوْلُ «لا إله إلا الله محمد رسول الله» أما مناهجهم وقوانينهم فقد أخذوها من هنا أو من هناك، وسوف تعضُّهم هذه القوانين، وسوف تخذلهم هذه الحضارات، ويرون أثرها السيء، ثم يعودون في النهاية إلى الإسلام فهو مرجعهم الوحيد.

ثالثا عامل النهي عن الفرقة:

يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (3)

لقد استعمل الله تعالى فعل نزع الذي يدلُّ على شدَّة النزع وقوَّته بحسب جرسه اللَّفظي، وهذا ما يدلُّ عليه استعماله في بعض آي القرآن الكريم إذ يقول الله تعالى في ريح عاد: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (4) وفي انتزاع الله تعالى الملك ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (5) وفي فتنة

٤٦ / ٢٣٨