مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

لوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٤٧

إبليس اللَّعين ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ (6) فهذه هي الشدَّة التي يدلُّ عليها فعل النَّزع الذي نهى الله تعالى المسلمين عن اجتنابه حتى لا يقعوا في حمأة اللَّجاجة والشحناء، والخصومة والبغضاء، والفشل والنكساء، ويتجنَّبوا ذهاب الريح التي هي القوة المحركة الضاربة في مختلف شؤون حياة الإنسان في هذا الكون، لذلك جاء الفعل على صورة المفاعلة التي تدلُّ على المشاركة بين طرفين ومن ثمَّ يقع التصادم، وهذا التنازع أعمُّ من أن يقتصر على المسلمين فيما بينهم أنفسهم، بل يتعداهم إلى أولي أمرهم، فهم إذا نُهوا عن التنازع بينهم فالتنازع مع ولي الأمر أولى بالنهي، والتنازع ينشأ عن اختلاف الآراء، وهو أمر مرتكز في الفطرة البشرية، ولكنَّ الله تعالى قد حكم في هذا الأمر بقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (7) وقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ

(1). آل عمران:102.

(2). مصنف بن أبي شيبة. رقم الحديث:30008. وعند مسلم بلفظ قريب.

(3). الأنفال:46.

(4). القمر:20.

(5). آل عمران:26.

(6). الأعراف:27.

(7). النساء:59.

الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (1) فما أكثر المنازعات القائمة بين المسلمين في مختلف مناحي حياتهم، وما أكبر العداواتِ التي نشبت بينهم وأولي أمرهم، لقد جثم عليهم النزاع فشدَّ عليهم الخناق فما عادوا يتنفسَّون إلاَّ شهيق الفتنة ولا يزفرون إلاَّ غبار الفرقة، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت دهورًا، وأًصابت أجنحتهم كسورًا، وولَّوا على أدبارهم نفورًا. هذا وأريد أن أشير إلى أنَّ اختلاف الأنساب والأجناس، والمذاهب، والفرق ليس عامل فرقة بقدر ما هو عامل رحمة لو فقه المسلمون، فاختلاف الأمة رحمة كما يقول الربانيون، أو لم يسمِّ الله تعالى في كتابه طائفة بالمهاجرين وطائفة بالأنصار في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (2) وقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ (3) كان يكفي أن يقول والسابقون السابقون من المؤمنين، أو يقول لقد تاب الله على النبئ والمؤمنين الذين اتبعوه في ساعة العسرة، ولكنَّه نصَّ على المهاجرين والأنصار لأنَّه وصف لا يمكن تجاهله على أن لا يستعمل لغرض التفرقة والرفعة والشحنة والضغنة،

٤٧ / ٢٣٨