لوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٤٨ولكن متى أريد به ذلك ظهر الإسلام محطِّما كلَّ انتماء بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (4) ولذلك لمَّا نادى المهاجرون: يا للمهاجرين، ونادى الأنصار: يا للأنصار برز النبيء - صلى الله عليه وسلم - بروز الأسد من عرينه وقالها بملء فيه مدويَّة: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنَّها منتنة، فإذا كان التنادي بصفة المهاجرين وبصبغة الأنصار دعوى جاهلية منتنة وهي أكمل صفة وأجمل صبغة يتمناهما مسلم فكيف بغيرهما من الصفات العرقية والمذهبية والطائية التي يتشدق بها كلُّ ناعق، ويتنطَّق بها كلُّ ناهق؟ لا شكَّ أنَّها أنحس جاهلية، وأنجس نتانة، ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (5).
رابعًا: عامل التحذير من أهل الكتاب:
يقول الله تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (6) إنَّ أجمل ما يَلفت انتباه المتدبِّر وهو يقرأ هذه الآية الكريمة ذلكم اللُّطف الرباني الذي يتبدَّى في إخباره المسلمين بحال أهل الكتاب وهو أعلم بسرائرهم، بأنَّهم يودُّون أن يردُّوهم كفَّارًا حسدًا من عند أنفسهم، ولو شاء لما فعل، ولأوكل ذلك إلى فطنتهم ونباهتهم، ولكنَّه فعل لأنَّه بيده الخير وهو اللَّطيف الخبير، وإنَّما ينصرف هذا الإخبار عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي وهو التحذير من أهل الكتاب، ولنا أن نتوقَّف مع هذا التحذير فنتساءل عن مدى تعامل أمَّة المسلمين معه، فهل هم يتعاملون معه تعامل الموقن به، أم هم يتعاملون معه معاملة الشاك فيه، أم هم يتعاملون معه معاملة المتحدي له؟ لعلَّني إن أنصفت المقال بالنظر إلى واقع الحال أقول: إنَّ أغلبية المسلمين اليوم إن لم يكونوا يتعاملون مع هذا التحذير معاملة المتحدي له، فهم يتعاملون معه معاملة الشاكِّ فيه، محقِّقين قول الله تعالى في أمثالهم: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (7) وإنَّ المرء البصير ليعجب حقًّا من واقع المسلمين المرير في تعاملهم مع مضمون هذه الآية الكريمة وهم يقرؤون قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (8) وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (9) وهذا ما يدلِّلنا عليه قول أشقى القساوسة القس زويمر في المؤتمر الكنسي العالمي الذي انعقد بالقدس سنة 1939 إذ قال: علينا أن
(1). النساء:83.
(2). التوبة:100