أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٥٤الإنسان الدفاع عن معتقده بشتَّى الوسائل، وهذه ظاهرة عَامَّة في المجتمعات البَشَرِيَّة، وليس أمرا خَاصًّا بالمسلمين (1).
ولقد تأسَّس علم الكلام بهدف إثبات العقائد الدينيَّة بإيراد الحجج ودفع شُبه أهل الزيغ والكفر والضلال (2) … فالمقصد الأساس من هذا العلم هو حفظ الدين؛ وبالتالي فهذا من أولى أولويات المسلم من أجل الحفاظ على الاعتقاد، وهذا أمر واجب وضروريٌّ إذا عنينا بالاعتقاد القضايا المتَّفق عليها، وأدلَّتها قطعيَّة ثبوتا ودلالة.
ولكنَّ الموازين قد تنقلب رأسا على عقب إذا رُفعت بعض المسائل الخلافيَّة، والتي في أصلها ظنِّيَّة إلى مستوى القطع، فيصبح الدفاع عن الظنيَّات دفاعا عن الدين، وبهذا تختلُّ الموازنة بين مقصد حفظ الدين وبين سائر المقاصد، فتكون نتائجه على النفس والنسل والعرض والمال وخيمة. ولتصحيح الوضع، ولتفادي ظواهر العنف بين الطوائف الإسلاميَّة بات من الضروريِّ تصحيح الرؤى الاعتقاديَّة، والتمييز بين القطعيِّ والظنِّيِّ، وبين الوحي والاجتهاد البشريِّ وتقديم الأَوْلى منهما.
1 - الجانب القطعيُّ من مقصد حفظ الدين:
لا يخفى عن كُلِّ مطَّلع على علوم الشريعة الإسلاميَّة أَنَّ حفظ الدين أَوَّل المقاصد التي جاء الشرع لحفظها؛ ونظرا لِمَا يترتَّبُ عن الخطأ في إطلاق الأسماء الذميمة من سفك للدماء وهتك للأعراض، فَإِنَّ هنالك علاقة وطيدة بين أسماء الذمِّ وبين مقصديْ حفظ الدين وحفظ النفس.
والكلُّ يعترف بضرورة حفظ حقوق المسلم، لاسيما منها: الدماء، وترك التنابز بالألقاب، ولكنَّهم إذا تناولوا المسائل الخلافيَّة مع إخوانهم المسلمين، سلقوهم بألسنة حِداد، إلاَّ من رحم ربُّك. وسنبيِّن في الآتي خطورة الفكر التكفيريِّ، من حيث أدلَّته وأقوال العلماء فيه؛ وبالتالي سنلاحظ أَنَّ هناك انفصاما كبيرا بين الطرح النَّظريِّ، والواقع العمليِّ.
أ- رحمة الشريعة الإسلاميَّة ويسرها أمر قطعيٌّ:
إِنَّ مقصد التيسير ونفي الحرج من المقاصد القطعيَّة في الشريعة الإسلاميَّة (3)، فقد تكرَّر في القرآن الكريم التنصيص على هذا المقصد تكرارا ينفي عنه أيَّ احتمال للمجاز أو التأويل، منها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (4)، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (5)، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (6) كما نصَّ الله تعالى على أَنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - جاء رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (7). ودعا - عليه السلام - في عدَّة أحاديث إلى التيسير وعدم التشديد، منها قوله لمعاذ وأبي موسى الأشعريِّ لَمَّا بعثهما إِلىَ اليمن: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا» (8). وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بُعثت بالحنيفيَّة السمحة» (9)، وقوله: «عَلَيْكُمْ مَا
(1). من ذَلِكَ: الصراع الكاثوليكي البروتستانتي، وغيرهما. وقد يكون الدين مُجَرَّد غطاء تبريري