أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٥٨روى الخلاَّل (7) في السُّنَّة، أَنَّ الإمام البخاريَّ لقي أكثر من ألف رجل من أهل العلم «ولم يكونوا يكفِّرون أحدا من أهل القبلة بالذنب» (8). والمقصود بالتكفير هنا هو الْمُخْرِج من الْمِلَّة؛ لأنَّ من علماء السلف من يقول بكفر دون كفر (9).
وقد رَدَّ المسلمون على منحى الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة كفر شرك، فقد روت المصادر أَنَّ جابر بن زيد ناقش الخوارجَ (10)، وَأَنَّ أبا بلال مرداس بن أديَّة (11) عارض نافع بن الأزرق (12)، وَأَنَّ عبد الله بن إباض آثر التسامح والدعوة إلى الشورى بدل الوقوع في صراع دمويٍّ مع الحكم الجائر (13)، وَأَنَّهُ انفصل عن ثورة عبد الله بن الزبير (14)، وَأَنَّهُ كان مع عبد الله بن الصفار (15) في رفضهما للتيَّار التكفيري (16). وقال ابن عبد العزيز « … فاتَّقوا الله في الدماء! ثُمَّ اتَّقوا الله في الدماء! لا تقربوها إِلاَّ بحلِّها، فَإِنَّكُم إنْ تواقعوا دما حراما يُحبَطْ عملكم، ويُبطلْ كدحُكُم، فالتثبُّت التثبُّت، وَإِيَّاكُم والعجلة إلى الدماء والسرعة إلى الإقدام عليها إِلاَّ بأمر واضح» (17). ويضيف في مسألة شبيهة قائلا: «فاتَّقوا الله في الدماء، وعظِّموا أمرها، وتمكَّثوا، ولا تسرعوا إلى إصابتها، فإنَّ أمرها عند الله عظيم، فإنَّكم أن تتركوا دمًا أحلَّه الله لكم خير من أن تهجموا على ما تشكُّون فيه، والإقدام على الدماء بالشبهات حوبٌ عظيم، وبُعدٌ من الله سحيق لمن انتهك ذلك واجترأ عليه» (18).
(1). الأعراف: 33.
(2). الحجرات: 11.
(3). ينظر: الطبري: 26/ 133 - 134. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 16/ 328. القطب اطفيَّش: تيسير التفسير، 13/ 433.
(4). البخاري: كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم: 6137، 5/ 2384.
(5). رواه الربيع بن حبيب واللفظ له، والشيخان. الربيع: بَابٌ فِي الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ وَالشَّرَائِعِ، حديث رقم: 65، ص45، بزيادة: «وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ». البخاري: كتاب الأدب، بَاب مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ، حديث رقم: 5752، 5/ 2263. مسلم: كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ قَالَ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ يَا كَافِرُ، حديث رقم: 60، 1/ 79.
(6). مُتَّفَق عَلَيْهِ واللفظ للبخاري. البخاري: كتاب الأدب، بَاب مَا يُنْهَى مِنَ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ، حديث رقم: 5700، 5/ 2247. مسلم: كتاب الإيمان، بَاب غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ … حديث رقم: 110، 1/ 104.
(7). أبو بكر أحمد بن محمَّد بن هارون الخلاَّل (311هـ/923م): مفسِّر حنبليٌّ عالم بالحديث واللغة. من بغداد. من كتبه:} تفسير الغريب}، و} طبقات أصحاب ابن حنبل}، و} السنَّة} … ينظر: الزركلي: الأعلام، 1/ 206.
(8). اللالكائي: اعتقاد أهل السُّنَّة، 1/ 175.