افتتاحيّة العدد العشرين
الجزء ١ · صفحة ٦وعلا - مهما كان حالنا من الضّعف - أن نطيع أمرها ونخفض لها جناح الذّلِّ من الرّحمة، ونقول على الدّوام: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (3)
كم رسالة تحملها هذه الفقرة؟ هي كثيرة يتلقّاها ويلتقطها من كان له قلب أو ألقى السّميع وهو شهيد. رسائل فيها الدّعوة إلى التّخلّق بالخلال والشّمائل العالية: برًّا بالوالدين، وطاعة لأولي الأمر، ووفاء بالعهد لمن له الفضل، وتواضعًا لا حدود له، وتوكّلا على الله في العون والتّوفيق، للإقدام على إنجاز الصّعب من الأعمال، وتنفيذ الكبير من المشروعات ..
في الفقرة رسالة موجّهة لمن يتلكّأ بانشغاله بالأعمال الاجتماعيّة، ويتعلّق بالأسباب التي تمنعه من الإسهام في الكتابة، فيعتذر عن
(1). الأنعام:153.
(2). العنكبوت:69.
(3). الإسراء: 24.
تحرير مقالات أو تحضير دراسات، تكمّل رسالته في الحياة، وتوسّع من مجال نشاطه وعمله الاجتماعي نفسه .. فالشّيخ حمّو ممّن ابتلي بالعمل الاجتماعي الواسع، وممّن يضيق وقته لينشغل بالكتابة، مع كلّ ذلك حرّر من هذا الوقت الضّيّق، ووّسع فيه ليجد مجالاً ليكتب. ألا يعتبر المعتبرون؟! ألا يقتدي به من هم على شاكلته من المحصورين من كلّ جانب بالنّشاط الاجتماعي؟!!
هذه الخلال والفضائل والمكارم نقرؤُها في موقف شيخنا وأبينا الرّوحي الشّيخ عدّون بن بالحاج شريفي، في تواضعه وطلبه من ابنه وتلميذه المبادرة في تصدير أوّل عدد من مجلّة الحياة بافتتاحيّة تاريخيّة، وهو الذي درّبه على الكتابة على صفحات جريدة الشّباب، لَمَّا كان طالبًا عنده يدرس في معهد الحياة .. وقد كان يشرف على ما يكتبه طلبته - والشّيخ حمّو أحدهم - في جريدة الشّباب: تصحيحًا وتشذيبًا وتعليقًا وتوجيهًا .. ودفعهم، بل حملهم للكتابة للتّدريب والمشاركة في المسيرة الأدبيّة .. هذا الأستاذ المعلّم - بتواضعه وحبّه الشّديد لتلاميذه وحرصه الكبير على إشراكهم في الحياة العامّة - يلحّ على تلميذه أن يتولّى أمر خطّ نهج مجلّة الحياة، ووضع حدود للتّحرّك فيها، ورسم الأهداف المنشودة من الكتابة فيها ..
للتّلميذ (حمّو) نصيب من خلق التّواضع أيضًا، برز في عدم اعتداده بما يملك من بضاعة في الكتابة الأدبيّة، رغم تفوّقه وبراعته واقتداره فيها، وبروزه عملاقًا من عمالقة الكتابة الرّصينة العميقة الملتزمة الهادفة .. لكنّه بتواضع العلماء وذوي الأخلاق العالية .. يقدّم نفسه لقرّاء المجلّة كاتبًا بسيطًا، بل يعتذر لهم في استجابته لطلب أستاذه، وهو يرى نفسه غير مؤهّل لِما طُلِبَ منه .. رحم الله الشّيخين .. ووفّقنا للاقتداء بهما والانتفاع بأخلاقهما وعلميهما وأدبيهما …