مجلة الحياة، العدد 20 مجلة الحياة

أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٦٠

الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم» (1).

ومثله ما عزاه القاسميُّ إلى الحنفيَّة من قولهم فيمَا معناه: «لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُكَفَّرَ الْمَرْءُ فِي أَمْرٍ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ وَجْهًا، وَمِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ لاَ يُكَفَّرُ، يُرَجَّحُ عَدَمُ التَّكْفِيرِ عَلَى التَّكْفِيرِ لِخَطَرِهِ فِي الدِّينِ» (2). وعدَّ الإمامُ محَمَّد عبده (3) هذا الكلام من القواعد الدِّينيَّة المشتهرة بين المسلمين (4).

ويقول الدكتور محمَّد عمارة: «فالتقريب بين المذاهب، والذي يمثِّلُ الميدان الحقيقيَّ الفكريَّ المطلوب، هو الذي يوحِّد الأُمَّة في الأصول والثوابت، وفي أمَّهات العقائد والمسائل الفكريَّة .. وهذا هو ميدان علم الكلام .. والجهد التقريبيُّ ـ الغائب والمطلوب ـ هو نزع (الألغام الفكريَّة - التكفيريَّة) التي تقصم وحدة الأُمَّة بالتكفير لفريق من الفرقاء، أو مذهب من المذاهب؛ لأَنَّ التكفير هو نفيٌ للآخر، يقصم وحدة الأُمَّة … » (5).

2 - الجانب الظني من مقصد حفظ الدين:

إنَّ أغلب الفرق الإسلاميَّة ترى نفسها هي الممثِّل الوحيد للإسلام، والمسائل التي تتميَّز بها هي من قبيل القطعيِّ، إذ الاعتقاد ينبغي أن يكون جازما، ومن باب حفظ الدين عليها أن تستميت في الدفاع عن آرائها. وهذا لا عتاب عليه إذا لم يؤدِّ إلى إقصاء الآخر، وإنَّما العتاب في اعتبار المخالف في تلك المسائل الكلاميَّة أو السياسيَّة خارجا عن حظيرة الدين، وإطلاق أبشع

(1). الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص135. وينظر: السنوسي: شرح المقَدِّمَات، ص104 - 105. هاني ساعي: القانون في عقائد الفرق، ص303. محَمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص22، 62.

(2). جمال الدين القاسمي: الجرح والتعديل، ص39.

(3). محَمَّد عبده بن حسن خير الله (1266 - 1323هـ/ 1849 - 1905م): أحد أقطاب زعماء الإصلاح في العالم الإسلامي. ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص357 - 429. الزركلي: الأعلام، 6/ 252 - 253.

(4). ينظر: الأعمال الكاملة للإمام محَمَّد عبده، دراسة وتحقيق: د. محَمَّد عمارة، طبعة بيروت، 1972، 3/ 283 - 289. نقلا عن محَمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص23.

(5). محَمَّد عمارة: المرجع نفسه، ص45.

الأسماء عليه. وهذا الإقصاء مبنيٌّ غالبا على أدلَّة ظنيَّة، منها: أدلَّة القرآن الظنيَّة الدلالة، وأدلَّة السنَّة الظنِّيَّة الثبوت أو الدلالة، والأقيسة والإلزامات الظنِّيَّة، وبيان ذلك في الآتي باختصار حسب ما يسمح به المقام:

أ- اعتماد أدلَّة ظنيَّة الثبوت أو الدلالة:

لا شكَّ أَنَّ القرآن قطعيُّ الثبوت، وأنَّه هو المرجع الأوَّل قبل الاختلاف وبعده، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ

٦٠ / ٢٣٨