الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لصخر بن حبناء يعاتب أخاه

الجزء ١ · صفحة ٥٥

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " من سره الغنى بلا مال، والعز بلا سلطان، والكثرة بلا عشيرة، فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعته، فإنه واجد ذلك كله " .

وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فحمد الله بما هو أهله ثم أقبل على الناس، فقال: " أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإن العبد بين مخافتين: أجلٌ قد مضى لا يدري ما الله فاعل فيه، وأجلٌ باق لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة إلى الممات، فو الذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار " .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرني ربي بتسع، الإخلاص في السروالعلانية، والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أعفو عمن ظلمني، وأصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكراً، وصمتي فكراً، ونظري عبرة " .

حدثت أنه التقى حكيمان، فقال أحدهما للآخر : إني لأحبك في الله،فقال له الآخر : لو علمت مني ماأعلمه من نفسي لأبغضتني في الله . فقال له صاحبه: لو علمت من ما تعلمه من نفسك لكان لي فيما أعلمه من نفسي شغل. وكان مالك بن دينار يقول : جاهدوا أهوءاكم كما تجاهدون أعداءكم .وكان يقول: ما أشد فطام الكبير.

وقيل لعمر بن عبد العزيز: أي الجهاد أفضل فقال: جهادك هواك. وكان الحسن يقول: حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدثور . واقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة، وإنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية.

قوله: " حادثوا " مثل، ومعناه: اجلوا واشحذوا، تقول العرب: حادث فلان سيفه إذا جلاه وشحذه، وقال زيد الخيل:

وقد علمت سلامة أن سيفي … كريه كلما دعيت نزال

أحادثه بصقل كل يوم … وأعجمه بهامات الرجال

قوله: " أعجمه بهامات الرجال " : أي أعضه، يقال عجمه إذا عضه والدثور الدروس يقال: دثر الربع إذا مح ومعناه: تعهدوها بالفكر والذكر. وقوله: " فإنها طلعة " ، يقول: كثيرة التشوف والتنزي إلى ما ليس لها . وأنشد الأصمعي:

زلا تمليت من مال ولا عمر … إلا بما سر نفس الحاسد الطلعه

قال: ويقال للجارية إذا كانت تبرز وجهها لتري حسنها ثم تخفيه لتوهم الحياء: خبأة طلعة.

وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: أيها الناس إنما خلقتم للأبد: ولكنكم تنقلون من دار إلى دار. ويروي عن المسيح صلوات الله عليه وسلامه أنه كان يقول: إن احتجتم إلى الناس فكلوا قصداً وامشوا جانباً.

ولما احتضر قيس بن عاصم قال لبنيه: يا بني، احفظوا عني ثلاثاً، فلا أحد أنصح لكم مني: إذا أنا مت فسودوا كباركم، ولا تسودوا صغاركم، فيحقر الناس كباركم، وتهنوا عليهم. وعليكم بحفظ المال فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة فإنها أخر كسب الرجل.

باب

لرجل من الأعراب يرثي رجلاً منهم قال أبو العباس: أنشدت لرجل من الأعراب يرثي رجلاً منهم:

فلو كان شيخاً قد لبسنا شبابه … ولكنه لم يعد أن طر شاربه

وقاك الردى من ود أن ابن عمه … يرى مقتراً أو أنه ذل جانبه

لحسان يوصي امرأته

وقال آخر لامرأته:

فاما هلكت فلا تنكحي … ظلوم العشيرة حسادها

يرى مجده ثلب أعراضها … لديه، ويبغض من سادها

لصخر بن حبناء يعاتب أخاه

وقال آخر : قال أبو الحسن: هو ليزيد بن حبناء أو لصخر بن حبناء، يقول لأخيه:

لحى الله أكبانا زناداً وشرنا … وأيسرنا عن عرض والده ذبا

رأيته لما نلت مالاً ومسنا … زمان ترى في حد أنيابه شغبا

جعلت لنا ذنباً لتمنع نائلاً … فأمسك، ولا تجعل غناك لنا ذنباً

قوله: " أكبانا زناداً " ، الزناد التي تقدح بها النار، ويقال : أورى القادح إذا خرجت له النار، وأكبى إذا أخفق منها : هذا أصله يضرب للرجل الذي ينبعث الخير عن يديه، ويضرب الإكباء للذي يمتنع الخير على يديه، قال الأعشى:

وزندك خير زناد الملو … ك صادف منهن مرخ عفارا

ولو بت تقدح في ظلمةٍ … صفاة بنبع لأوريت نارا

٥٥ / ٣٣٦