من أمثال العرب
الجزء ١ · صفحة ٥٣ويقال: رجل سميع، أي مسمعٌ، قال عمرو بن معد يكرب:
أمن ريحانة الداعي السميع … يؤرقني وأصحابي هجوع
وأما قوله: " المقيد " فهو موضع التقييد: وكل مصدر زيدت الميم في أوله إذا جاوزت الفعل من ذوات الثلاثة فهو على وزن المفعول، وكذلك إذا أردت اسم الزمان واسم المكان، تقول: أدخلت زيداً مدخلاً كريماً. وسرحته مسرحاً حسناً، واستخرجت الشيء مستخرجاً، قال جرير:
ألم تعلم مسرحي القوافي … فلا عياً بهن ولا اجتلابا
أي تسريحي، وقال عز وجل: " وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً " المؤمنون29 ويقال: قمت مقاماً، واقمت مقاماً وقال عز وجل: " إنها ساءت مستقراً ومقاماً " الفرقان66 أي موضع، وقال الشاعر:
وما هي إلا في إزارة و علقةٍ … مغار ابن همام على حي خثعما
يريد زمن إغارة ابن همام.
وأما قوله: " نذق برد نجدٍ " ، فذاك لأن نجداً مرتفعة وتهامة غورٌ منخفض، فنجدٌ باردة.
ويروى عن الأصمعي أنه قال: هجم علي شهر رمضان وأنا بمكة، فخرجت إلى الطائف لأصوم بها هرباً من حر مكة فلقيني أعرابي فقلت له: أين تريد؟ فقال: أريد هذا البلد المبارك لأصوم هذا الشهر المبارك فيه. فقلت له: أما تخاف الحر؟ فقال من الحر أفر.
وهذا الكلام نظير كلام الربيع بن خثيم، فإن رجلاً قال له - وقد صلى ليلةً حتى اصبح - أتعبت نفسك، فقال: راحتها أطلب: إن أفره العبيد أكيسهم.
ونظير هذا الكلام قول روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب - ونظر إليه رجل واقفاً بباب المنصور في الشمس - فقال: قد طال وقوفك في الشمس! فقال روحٌ: ليطول وقوفي في الظل.
ومثله من الشعر قوله: قال أبو الحسن: هو عروة بن الورد:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا … ولم تدر أني للمقام أطوف
لعل الذي خوفتنا من ورائنا … سيدركه من بعدنا المتخلف
ويروى : " لسرنا " . وقال آخر:
سأطلب بعد الدار منكم لتقربوا … وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
وهذا معنى كثير حسن جميل.
وقال حبيب بن أوس الطاءي:
أآلفة النجب كم افتراقٍ … أجد فكان داعية اجتماع
وليست فرحة الأوبات إلا … لموقوفٍ على ترح الوداع
وقال رجل - واعتل في غربةٍ فتذكر أهله:
لو أن سلمى أبصرت تخددي … ودقةً في عظم ساقي ويدي
وبعد أهلي وجفاء عودي … عضت من الوجد بأطراف اليد
قوله: " أبصرت تخددي " ، يريد ما حدث في جسمه من النحول، وأصل الخد ما شققته في الأرض، قال الشماخ:
فقلت لهم خدوا له برماحكم … بطامسة الأعلام خفاقة الآل
ويقال للشيخ: قد تخدد، يراد قد تشنج جلده، وقال الله عز وجل: " قتل أصحب الأخدود " البروج: 4، وقيل في التفسير: هؤلاء قوم خدوا أخاديد في الأرض، وأشعلوا فيها نيراناً فحرقوا بها المؤمنين.
وقوله:
عضت من الوجد بأطراف اليد
فإن الحزين، والمغيظ، والنادم والمتأسف يعض أطراف أصابعه جزعاً، قال الله عز وجل : " عضوا عليكم الأنامل من الغيظ " آل عمران119.
وفي مثل ما ذكرنا من تخدد لحم الشيخ، يقول القائل:
يا من لشيخ قد تخدد لحمه … أفنى ثلاث عمائم ألوانا
سوداء حالكةً وسحق مفوفٍ … وأجد لوناً بعد ذاك هجانا
صحب الزمان على اختلاف فنونه … فأراه منه كراهةً وهوانا
قصر الليالي خطوة فتدانى … وحنون قائم صلبه فتحانى
والموت يأتي بعد ذلك كله … وكأنما يعنى بذاك سوانا
وقوله:
أفنى ثلاث عمائم ألوانا
يعني أن شعره كان أسود، ثم حدث فيه شيب مع السواد، فذلك قوله: مفوف، والتفويف: التنقيش، وإنما أخذ من الفوف، وهي النكتة البيضاء التي تحدث في أظفار الأحداث، وسميت بذلك لشبهها بشجرة يقال لها الفوفة وجمعها فوفٌ، والسحق: الخلق، يقال: عنده سحق ثوبٍ، وجرد ثوبٍ، وسمل ثوبٍ. وقوله: أجد أي أستجد لوناً، والهجان الأبيض، وهي العمامة الثالثة يعني حيث شمله الشيب.
باب
من أمثال العرب
قال أبو العباس: من أمثال العرب: لم يذهب من مالك ما وعظك. يقول: إذا ذهب من مالك شيء، فحذرك أن يحل بك مثله، فتأديبه إياك عوضٌ من ذهابه.