الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من أمثال العرب

الجزء ١ · صفحة ٥٣

ويقال: رجل سميع، أي مسمعٌ، قال عمرو بن معد يكرب:

أمن ريحانة الداعي السميع … يؤرقني وأصحابي هجوع

وأما قوله: " المقيد " فهو موضع التقييد: وكل مصدر زيدت الميم في أوله إذا جاوزت الفعل من ذوات الثلاثة فهو على وزن المفعول، وكذلك إذا أردت اسم الزمان واسم المكان، تقول: أدخلت زيداً مدخلاً كريماً. وسرحته مسرحاً حسناً، واستخرجت الشيء مستخرجاً، قال جرير:

ألم تعلم مسرحي القوافي … فلا عياً بهن ولا اجتلابا

أي تسريحي، وقال عز وجل: " وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً " المؤمنون29 ويقال: قمت مقاماً، واقمت مقاماً وقال عز وجل: " إنها ساءت مستقراً ومقاماً " الفرقان66 أي موضع، وقال الشاعر:

وما هي إلا في إزارة و علقةٍ … مغار ابن همام على حي خثعما

يريد زمن إغارة ابن همام.

وأما قوله: " نذق برد نجدٍ " ، فذاك لأن نجداً مرتفعة وتهامة غورٌ منخفض، فنجدٌ باردة.

ويروى عن الأصمعي أنه قال: هجم علي شهر رمضان وأنا بمكة، فخرجت إلى الطائف لأصوم بها هرباً من حر مكة فلقيني أعرابي فقلت له: أين تريد؟ فقال: أريد هذا البلد المبارك لأصوم هذا الشهر المبارك فيه. فقلت له: أما تخاف الحر؟ فقال من الحر أفر.

وهذا الكلام نظير كلام الربيع بن خثيم، فإن رجلاً قال له - وقد صلى ليلةً حتى اصبح - أتعبت نفسك، فقال: راحتها أطلب: إن أفره العبيد أكيسهم.

ونظير هذا الكلام قول روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب - ونظر إليه رجل واقفاً بباب المنصور في الشمس - فقال: قد طال وقوفك في الشمس! فقال روحٌ: ليطول وقوفي في الظل.

ومثله من الشعر قوله: قال أبو الحسن: هو عروة بن الورد:

تقول سليمى لو أقمت بأرضنا … ولم تدر أني للمقام أطوف

لعل الذي خوفتنا من ورائنا … سيدركه من بعدنا المتخلف

ويروى : " لسرنا " . وقال آخر:

سأطلب بعد الدار منكم لتقربوا … وتسكب عيناي الدموع لتجمدا

وهذا معنى كثير حسن جميل.

وقال حبيب بن أوس الطاءي:

أآلفة النجب كم افتراقٍ … أجد فكان داعية اجتماع

وليست فرحة الأوبات إلا … لموقوفٍ على ترح الوداع

وقال رجل - واعتل في غربةٍ فتذكر أهله:

لو أن سلمى أبصرت تخددي … ودقةً في عظم ساقي ويدي

وبعد أهلي وجفاء عودي … عضت من الوجد بأطراف اليد

قوله: " أبصرت تخددي " ، يريد ما حدث في جسمه من النحول، وأصل الخد ما شققته في الأرض، قال الشماخ:

فقلت لهم خدوا له برماحكم … بطامسة الأعلام خفاقة الآل

ويقال للشيخ: قد تخدد، يراد قد تشنج جلده، وقال الله عز وجل: " قتل أصحب الأخدود " البروج: 4، وقيل في التفسير: هؤلاء قوم خدوا أخاديد في الأرض، وأشعلوا فيها نيراناً فحرقوا بها المؤمنين.

وقوله:

عضت من الوجد بأطراف اليد

فإن الحزين، والمغيظ، والنادم والمتأسف يعض أطراف أصابعه جزعاً، قال الله عز وجل : " عضوا عليكم الأنامل من الغيظ " آل عمران119.

وفي مثل ما ذكرنا من تخدد لحم الشيخ، يقول القائل:

يا من لشيخ قد تخدد لحمه … أفنى ثلاث عمائم ألوانا

سوداء حالكةً وسحق مفوفٍ … وأجد لوناً بعد ذاك هجانا

صحب الزمان على اختلاف فنونه … فأراه منه كراهةً وهوانا

قصر الليالي خطوة فتدانى … وحنون قائم صلبه فتحانى

والموت يأتي بعد ذلك كله … وكأنما يعنى بذاك سوانا

وقوله:

أفنى ثلاث عمائم ألوانا

يعني أن شعره كان أسود، ثم حدث فيه شيب مع السواد، فذلك قوله: مفوف، والتفويف: التنقيش، وإنما أخذ من الفوف، وهي النكتة البيضاء التي تحدث في أظفار الأحداث، وسميت بذلك لشبهها بشجرة يقال لها الفوفة وجمعها فوفٌ، والسحق: الخلق، يقال: عنده سحق ثوبٍ، وجرد ثوبٍ، وسمل ثوبٍ. وقوله: أجد أي أستجد لوناً، والهجان الأبيض، وهي العمامة الثالثة يعني حيث شمله الشيب.

باب

من أمثال العرب

قال أبو العباس: من أمثال العرب: لم يذهب من مالك ما وعظك. يقول: إذا ذهب من مالك شيء، فحذرك أن يحل بك مثله، فتأديبه إياك عوضٌ من ذهابه.

٥٣ / ٣٣٦