من الشعر عند سليمان بن عبد الملك
الجزء ١ · صفحة ٤٧وكان الأحنف بن قيس يقول: لا تزال العرب عرباً ما لبست العمائم، وتقلدت السيوف، ولم تعدد الحلم ذلاً، ولا التواهب فيما بينها ضعةٌ.
وقالوا في تأويل قوله: " ما لبست العمائم " ، يقول: ما حافظت على زيها. وقوله: " وتقلدت السيوف " يريد الامتناع من الضيم. وقوله: " ولم تعدد الحلم ذلاً " ، يقول: ما عرفت موضع الحلم، وتأويل ذلك: أن الرجل إذا أغضى للسلطان أو أغضى عن الجواب وهو مأسور لم يقل: حلم، وإنما يقال حلم إذا ترك أن يقول الشيء لصاحبه منتصراً، ولا يخاف عاقبة يكرهها، فهذا الحلم المحض، فإذا لم يفعل ذلك، ورأى أن تركه الحلم ذل فهو خطأ وسفهٌ. وقوله: " ولم تر التواهب بينها ضعةٌ " نحو من هذا، وهو أن يهب الرجل من حقه ما لا يستكره عليه.
وكان يقال: أحيوا المعروف بإماتته، وتأويل ذلك أن الرجل إذا اعتد بمعروفه كدره، وقيل: المنة تهدم الصنيعة.
وكان يقال: كتمان المعروف من المنعم عليه كفرٌ، وذكره من المنعم تكديرله.
وقال قيس بن عاصم: يا بني تميم، اصحبوا من يذكر إحسانكم إليه، وينسى أياديه إليكم.
باب
لبعض الشعراء يودح
أسليم بن الأحنف
قال أبو العباس: قال عبد الملك بن مروان لأسلم بن الأحنف الأسدي: ما أحسن ما مدحت به؟ فستعفاه، فأبى أن يعفيه وهو معه على سريره، فلما أبى إلا أن يخبره، قال قول القائل:
ألا أيها الركب المخبون هل لكم … بسيد أهل الشام تحبوا وترجعوا
من النفر البيض الذين إذا اعتزوا … وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
إذا النفر السود اليمانون نمنموا … له حوك برديه أجادوا وأوسع
جلا المسك والحمام والبيض كالدمى … وفرق المدارى رأسه فهو أنزع
فقال له عبد الملك: ما قال أخو الأوس أحسن مما قيل لك قال أبو الحسن: هو أبو قيس بن الأسلت
قد حصت البيضة رأسي فما … أطعم نوماً غير تهجاع
لكثير في المدح
وحدثت أن كثيراً كان يقول: لوددت أني كنت سبقت الأسود أو العبد الأسود إلى هذين البيتين يعني نصيباً في قوله:
من النفر البيض الذين إذا انتجوا … أقرت لنجواهم لؤي بن غالب
يحيون بسامين طوراً، وتارةً … يحيون عباسين شوس الحواجب
والمختار من الشعر الأول قوله:
من النفر البيض الذين إذا اعتزوا … وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
يخبر بجلالتهم ومعرفتهم بأقدارهم، وثقتهم بأن مثلهم لا يرد، وقد قال: جرير للتيم خلاف هذا، وهو قوله:
قوم إذا اختضر الملوك وفودهم … نتفت شواربهم على الأبواب
نقد لشعر نصيب
وحدثت أن جريراً كان يقول: وددت أن هذا البيت من شعر هذا العبد كان لي بكذا وكذا بيتاً من شعري يعني قول نصيب:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب … وقل إن تملينا فما ملك القلب
وأما قول نصيب:
أهيم بدعدٍ ما حييت وإن أمت … أوكل بدعدٍ من يهيم بها بعدي
فلم تجد الرواة ولا من يفهم جواهر الكلام له مذهباً، وقد ذكر عبد الملك لجلسائه ذلك فكل عابه، فقال عبد الملك : فلو كان إليكم كيف كنتم قائلين؟ فقال رجل منهم: كنت أقول:
أهيم بدعدٍ ما حييت وإن أمت … فوا حزنا من ذا يهيم بها بعدي!
فقال عبد الملك: ما قلت والله أسوأ مما قاله، فقيل له: فكيف كنت قائلاً في ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال كنت أقول:
أهيم بدعدٍ ما حييت فإن أمت … فلا صلحت دعدٌ لذي خلةٍ بعدي
فقالوا: أنت والله أشعر الثلاثة يا أمير المؤمنين.
؟الفرزدق ونصيب وما قالاه
من الشعر عند سليمان بن عبد الملك
وقد فضل نصيبٌ على الفرزدق في موقفه عند سليمان بن عبد الملك، وذلك أنهما حضرا، فقال سليمان للفرزدق: أنشدني وإنما أراد أن ينشده مدحاً له فأنشده:
وركب كأن الريح تطلب عندهم … لها ترةٌ من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الريح وهي تلفهم … إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا آنسوا ناراً يقولون ليتها … وقد خصرت أيديهم نار غالب