أعرابي عند عمر بن هبيرة
الجزء ١ · صفحة ٤٩فإنما أراد ما يوجب ستين وسقا، لا أن الناقة حملت ستين وسقاً
حديث أبي وجزة وأبي زيد الأسلمي
وكان من حديث ذلك أن أبا وجزة السلمي، المعروف بالسعدي لنززله فيهم،ومحالفته إياهم، كان شخص إلى المدينه يريد آل الزبير، وشخص أبو زيد الأسلمي يريد إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو والي المدينة فاصطحبا، فقال أبو وجزة: هلم فلنشترك فيما نصيبه، فقال أبو زيد الأسلمي: كلا،أمدح الملوك، وأنت تمدح السوق فلما دخلا المدينة صار أبو زيد إلى إبراهيم بن هشام فأنشده :
ياابن هشام يا أخا الكرام
فقال إبراهيم: وإنما أنا أخوهم، وكأني لست منهم ثم أمر به فضرب بالسياط وامتدح أبو وجزة آل الزبير، فكتبوا إليه بستين وسقاٌ من تمر، وقالوا: هي لك عندنا في كل سنةٍ، فانصرفا، فقال أبو زيد:
مدحت عروقاٌ للندى مصب الثرى … حديثاٌ فلم تهمم بأن تتزعزها
نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى … وحلبت الأيام والدهر أضرعا
سقاها ذوو الأرحام سجلاًعلى الظما … وقد كربت أعناقها أن تقطعا
بفضل سجال لو سقوا من مشى بها … على الأرض أرواهم جميعاٌ وأشبعا
فضمت بأيديها على فضل مائها … من الري لما أوشكت أن تضلعا
وزهدها أن تفعل الخير في الغنى … مقاساتها من قبله الفقر جوعا
وقال أبو وجزة:
راحت رواحاٌ قلوصي وهي حامدة … آل الزبير ولم تعدل بهم أحدا
راحت بستين وسقاٌ في حقيبتها … ما حملت حملها الأدنى ولا السددا
ما إن رأريت قلوصاٌ قبلها حملت … ستين وسقاٌ ولا جابت به بلدا
ذاك القرى، لاقرى قوم رأيتهم … يقرون ضيفهم الملوية الجددا
أما قول أبي زيد لإبراهيم: " مدحت عروقاٌ للندى مصت الثرى....حديثاٌ..؟؟؟؟؟؟ " فإنما عنى أن إبراهيم وأخاه محمداً إنما تطمعا بالعيش، ودخلا في النعمة، وخرجا من حد السوق إلى حد الملوك حديثاً، وذلك بهشام بن عبد الملك لأنهما كانا خاليه، وإنما ولاهما عن خمول.
وقوله: " فلم تهمهم بأن تتزعزعا " ، فإنما هذا مثل: يقال: فلان يهتزللندى، ويرتاح لفعل الخير كما قال متمم بن نويرة:
تراه كنصل السيف يهتز للندى … إذا لم تجد عند امرىء السوء مطمعا
وتأويل ذلك أنه يتحرك سرور لفعل الخير.
لأبي رباط في ابنه
قال أبو العباس: وأنشدني التوزي لأبي رباط، يقول لابنه:
رأيت رباطاً حين تم شبابه … وولى شبابي ليس في بره عتب
إذا كان أولاد الرجال مرارةً … فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
لنا جانبٌ منه أنيقٌ وجانبٌ … شديد على الأعداء مركبه صعب
وتأخذه عند المكارم هزةٌ … كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب
أعرابي عند عمر بن هبيرة
قال : وحدثني علي بن عبد الله قال: حدثني العتبي قال : أشرف عمر بن هبيرة الفزاري من قصره يوماٌ فإذا هو بأعرابي يرقص جمله الآل، فقال لحاجبه: إن أرادني هذا فأوصله إلي، فلما دنا الأعرابي سأله فقال: قصدت الأمير. فأدخله إليه، فلما مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك فقال الأعرابي :
أصلحك الله، قل ما بيدي … فما أطيق العيال إذ كثروا
ألح دهر أنحى بكلكله … فأرسلوني إليك وانتظروا
رجوك للدهر أن تكون لهم … غيث سحاب إن خانهم مطر
قال : فأخذت عمر الأريحية، فجعل يهتز في مجلسه، ثم قال : أرسلوك إلي وانتظروا إذاً والله لا تجلس حتى ترجع إليهم غانماً، فأمر له بألف دينار ورده على بعيره.
قال أبو العباس : وحدثني أبو إسحاق القاضي إسماعيل بن إسحاق أن الخبر لمعن بن زائدة، وصح ذلك عندي.
وقوله: " نقائذ بؤس " واحدتها نقيذة. وتأويله أنهم أنقذوا من بؤسٍ، يقال للرجل و المرأة ذلك على لفظ واحد، تقول: هذا نقيذة بؤسٍ، تقع الهاء للمبالغة، لأن أصله كالمصادر، كقولك : زيد مكرمةٌ لأهله، وزيد كريمة قومه، أي يحل محل العقدة الكريمة، والخصلة الكريمة.