الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

في وقت محاربته ابن الأشعث

الجزء ١ · صفحة ٧٢

وروت الرواة أن الحجاج لما أخذ رأس ابن الأشعث وجه به إلى عبد الملك بن مروان مع عرار بن عمرو بن شأس الأسدي وكان أسود دميماً فلما ورد به عليه جعل عبد الملك لا يسأل عن شيئ من أمر الوقعة إلا أنبأه به عرار، في أصح لفظ، وأشبع قول، وأجزاء اختصار، فشفاه من الخبر، وملأ أذنه صواباً وعبد الملك لا يعرفه، وقد اقتحمته عينه حيث رآه فقال متمثلاً:

أرادت عراراً بالهوان ومن يرد … لعمري عراراً بالهوان فقد ظلم

وإن عراراً إن يكن غير واضح … فإني أحب الجون ذا المنكب العمم

فقال له عرار: أتعرفني با أمير المؤمنين قال: لا، قال: فأنا والله عرار فزاده في سروره، وأضعف له الجائزة.

كتاب صاحب اليمن إلى عبد الملك

في وقت محاربته ابن الأشعث

وكتب صاحب اليمن إلى عبد الملك وقت محاربته ابن الأشعث: إني قد وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريها بمال عظيم لم ير مثلها قط، فلما دخل بها عليه رأى وجهاً جميلاً وخلقاً نبيلاً فألقى إليها قضيباً كان في يده فنكست لتأخذه فرأى منها جسماً بهره، فلما هم بها أعلمه الآذن أن رسول الحجاج بالباب، فأذن له، ونحى الجارية، فأعطاه كتاباً من عبد الرحمن، فيه سطور أربعة:

سائل مجاور جرم: هل جنيت لها … حرباً تزيل بين الجيرة الخلط

وهل سموت بجرار له لجب … جم الصواهل بين الجم والفرط

وهل تركت نساء الحي ضاحيه … في ساحة الدار يستوقدن بالغبط

وتحتها :

قتل الملوك وسار تحت لائه … شجر العرى وعراعر الأقوام

قال: فكتب إليه عبد الملك كتاباً، وجعل في طيه جواباً لابن الأشعث:

ما بال من أسعى لأجبر عظمه … حفاظاً وينوي من سفاهته كسري

أظن خطوب الدهر بيني وبينهم … ستحملهم مني على مركب وعر

وإني إياهم كمن نبه القطا … ولو لم باتت الطير لا تسري

أناة وحملماً وانتظر بهم غداً … فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر

وينشد: " بالفاني " . ثم بات يقلب كف الجارية ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك، فتقول: فما بالك ياأمير المؤمنين وما يمنعك قال: يمنعني ما قال الأخطل لأني إن خرجت منه كنت ألأم العرب:

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت بأظهار

فما إليك سبيل أو يحكم الله بيني وبين عدو الرحمن، ابن الأشعث، فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن .

قوله: " فرأى منها جسماً بهره " ، يقال: بهر الليل إذا سد الأفق بظلمته، وبهر القمر إذا ملأ الأرض ببهائه، ومن ثم قيل: القمر الباهر، أنشدني المازني لرجل من بني الحارث بن كعب:

والقمر الباهر السماء لقد … زرنا هلالاً بجحفل لجب

تسمع زجر الكماة بينهم: … قدم، وأخر، وأرحبي، وهبي

من كل هداءةٍ كعالية الر … مح أمونٍ وشيظم سلب

وقال طفيل الغنوي يصف كيف تزجر الخيل، فجمعه في بيت واحد:

وقيل اقدمي و اقدم وأخ وأخري … وها، وهلاً واضرح وقادعها هبي قال أبو الحسن: وأج.

ومن زجر الخيل أيضاً: " هقب وهقط " ، وأنشدني المازني:

لما سمعت زجرهم هقط … علمت أن فارساً منحط

وقوله: " بين الجم والفرط " هما موضعان بأعيانهما.

وقوله: " في ساحة الدار يستوقدن بالغبط " يقال فيه قولان متقاربان: أحدهما أنهن قد يئسن من الرحيل فجعلن مراكبهن حطباً، هذا قول الأصمعي. وقال غيره: بل قد منعهن الخوف من الاحتطاب، والغبيط من مراكب النساء: وكذلك الحدج قال امرؤ القيس :

تقول وقد مال الغبيط بنا معاً: … عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

فأعلمك أن الغبيط لها، والمحامل إنما أول من اتخذها الحجاج، ففي ذلك يقول الراجز:

أول عبدٍ عمل المحاملا … أخزاه ربي عاجلاً وآجلاً

وقوله: " شجر العرا " فالعرا : نبت إن ضم العين، والعراء ممدوداً وجه الأرض، قال الله عز وجل: " لنبذ بالعراء وهو مذوم " القلم : 49 . وقال الهذلي :

رفعت رجلاً لا أخاف عثارها … ونبذت بالبلد العراء ثيابي

٧٢ / ٣٣٦