هَبَّت قُبيلَ تَبلّجِ الفَجرِ
الجزء ١ · صفحة ٤وقال عمرو بن الحصين أيضاً يرثي عبدالله بن يحيى وأبا حمزة وأصحابهم رحمهم الله:
هَبَّت قُبيلَ تَبلّجِ الفَجرِ *** هِندٌ تَقولُ وَدَمعُها يَجري
إِذ أَبصَرَت عَيني وَأَدمُعُها *** يَنهَلُّ وَاكِفُها عَلى النَّحرِ
أَنّى اِعتَراكَ وَكُنتَ عَهدِيَ لا *** سربَ الدُّموع وَكُنتَ ذا صَبرِ
أَقذى بِعَينِكَ ما يُفارِقُها *** أَم عائِرٌ أَم ما لَها تذري
أَم ذِكرُ إِخوانٍ فجعتَ بِهِم *** سَلَكوا سَبيلَهُمُ عَلى قَدرِ
فَأَجَبتُها بَل ذكرُ مَصرَعِهِم *** لا غَيرهُ عَبراتُها يمري
يا رَبِّ أَسلِكني سَبيلَهُمُ *** ذا العَرشِ وَاِشدُد بِالتُّقى أَزري
في فِتيَةٍ صَبَروا نُفوسَهُمُ *** لِلمشرَفِيَّةِ وَالقَنا السّمرِ
تَاللَّهِ أَلقى الدَّهرَ مِثلَهُمُ *** حَتّى أَكونَ رَهينَةَ القَبرِ
أَوفى بِذِمَّتِهِم إِذا عَقَدوا *** وَأعفّ عِندَ العُسرِ وَاليُسرِ
مُتَأَهِّبونَ لِكُلِّ صالِحَةٍ *** ناهونَ مَن لاقوا عَنِ النّكرِ
صمتٌ إِذا اِحتَضَروا مَجالِسَهُم *** وَزنٌ لِقَولِ خَطيبهِم وقرِ
إِلّا تَجيئهُم فَإِنَّهُم *** رُجُفُ القُلوبِ بِحَضرَةِ الذِكرِ
مُتَأَوِّهونَ كَأَنَّ جَمرَ غَضا *** لِلمَوتِ بَينَ ضُلوعِهِم يَسري
تَلقاهُم إِلّا كَأَنَّهُمُ *** لِخُشوعِهِم صَدَروا عَنِ الحَشرِ
فَهُمُ كَأَن بِهِم جَوى مَرَضٍ *** أَو مَسّهُم طَرفٌ مِنَ السِّحرِ
لا لَيلهُم لَيلٌ فَيلبسهُم *** فيهِ غَواشي النَومِ بِالسُكرِ
إِلّا كَذا خلساً وَآوِنَةً *** حَذَرَ العِقابِ فَهُم عَلى ذُعرِ
كَم مِن أَخٍ لَكَ قَد فُجِعتَ بِهِ *** قَوّامِ لَيلَتِهِ إِلى الفَجرِ
مُتَأَوِّهاً يَتلو قَوارِعَ مِن *** آيِ الكِتابِ مُفَرَّحَ الصَّدرِ
نصبٌ تَجيشُ بَناتُ مُهجَتِهِ *** مِ الخَوفِ جيشَ مَشاشَة القَدرِ
ظَمآن وَقدة كُلِّ هاجِرَةٍ *** تَرّاك لَذَّتِهِ عَلى قَدرِ
تَرّاك ما تَهوى النُّفوسُ إِذا *** رغبُ النُّفوسِ دَعا إِلى المُزري
وَمُبرأ مِن كُلِّ سيّئَةٍ *** عَفّ الهَوى ذا مرَّةٍ شزرِ
وَالمُصطَلي بِالحَربِ يسعرُها *** بِغُبارِها في فِتيَةٍ سعرِ
يَجتاحُها بِأَفَلَّ ذي شطبٍ *** عَضبِ المَضارِبِ قاطِع البترِ
لا شَيءَ يَلقاهُ أَسَرَّ لَهُ *** مِن طَعنَةٍ في ثغرَةِ النّحرِ
نَجلاء مُنهرة تَجيشُ بِما *** كانَت عَواصي جَوفِهِ تَجري
كَخَليلكَ المُختارِ أَزكِ بِهِ *** مِن مُغتَدٍ في اللَّهِ أَو مسري
خَوّاضِ غَمرة كُلِّ مُتلفةٍ *** في اللَهِ تَحتَ العَثيرِ الكَدرِ
تَرّاك ذي النَّخواتِ مُختَضِباً *** بِنَجيعِهِ بِالطَّعنَةِ الشّزرِ
وَاِبنِ الحُصينِ وَهَل لَهُ شَبهٌ *** في العُرفِ أَنّى كانَ وَالنّكرِ
بِشَهامَةٍ لَم تَحنِ أَضلُعهُ *** لِذَوي أُخُوَّتِهِ عَلى غَدرِ
طَلقِ اللِّسانِ بِكُلِّ محكَمَةٍ *** رَآبِ صدعِ العَظمِ ذي الكَسرِ
لَم يَنفَكِك في جَوفِهِ حُزنٌ *** تَغلي حَرارَتُهُ وَتَستَشري
تَرقى وَآوِنَةً يُخَفِّضُها *** بِتَنَفُّسِ الصُّعَداءِ وَالزّفرِ
وَمُخالطي بَلج وَخالصَتي *** سُمُّ العَدُوِّ وَجابِرُ الكَسرِ
نكلُ الخُصومِ إِذا هُمُ شغِبوا *** وَسَدادُ ثلمَةِ عورَةِ الثّغرِ
وَالخائِضُ الغَمَراتِ يَخطُرُ في *** وسطِ الأَعادي أَيَّما خَطرِ
بِمُشَطَّبٍ أَو غَيرِ ذي شطبٍ *** هامَ العدى بِذبابِهِ يَفري
وَأَخيكَ أَبرَهَةَ الهِجانِ أَخي الـ *** حربِ العَوانِ وَموقدِ الجَمرِ
بِمرشَّةٍ فَرغٍ تَثُجُّ دَماً *** ثَجَّ الغَوِيِّ سُلافَةَ الخَمرِ
وَالضارِبِ الأخدودِ لَيسَ لَها *** أَحَدٌ يُنَهنِهُها عَنِ السَحرِ
وَوَلِيُّ حُكمِهِمُ فجعتُ بِهِ *** عَمرو فَواكَبِدِي عَلى عَمرِو
قَوّال محكَمَةٍ وَذو فهمٍ *** عَفّ الهَوى مُتَثَبِّتُ الأَمرِ
وَمُسَيّبٍ فَاِذكُر وَصيّتَهُ *** لا تَنسَ إِمّا كُنتَ ذا ذِكرِ
فَكِلاهُما قَد كانَ مُحتَسِباً *** لِلَّهِ ذا تَقوى وَذا بِرِّ
في مخبتينَ وَلَم أُسَمِّهِمُ *** كانوا يَدي وَهم أُولو نَصري
وَهُمُ مَساعِرُ في الوَغى رجحٌ *** وَخيارُ مَن يَمشي عَلى العفرِ
حَتّى وَفوا لِلَّهِ حَيثُ لَقوا *** بِعُهودِ لا كذبٍ وَلا غَدرِ
فَتَخالَسوا مهجاتِ أَنفُسهم *** وَعداتِهِم بِقَواضِبٍ بترِ
وَأَسِنَّةٍ أُثبِتنَ في لُدُنٍ *** خُطِّيَّةٍ بِأَكُفِّهِم زُهرِ
تَحتَ العجاجِ وَفَوقَهم خَرقٌ *** يَخفِقنَ مِن سودٍ وَمِن حمرِ
فَتَوقّدَت نيرانُ حَربِهِمُ *** ما بَينَ أَعلى البَيتِ وَالحجرِ
وَتَفَرَّجَت عَنهُم كَأَنَّهُمُ *** لَم يُغمِضوا عَيناً عَلى وترِ
صَرعى فَخاوِيَةٌ بُيوتهُمُ *** وَخَوامِعٌ لحمانَهُم تَفري