الاستواء
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤ثم بعد أن ناقش قول مالك المشار إليه قبل حين (32) بين لجوء المتأخرين من الأشاعرة إلى التأويل مع قولهم بأن طريقة السلف أسلم يعنون لما فيها من التوقف وطريقة الخلف أعلم يعنون لما فيها من العلم حيث بينوا المراد به". (33)
هذا ما جاء عند المحشي وقد نقل جله عن إسماعيل الجيطالي في شرح النونية أما عمرو التلاتي في شرحه للنونية فقد مر على القضية مرا سريعا ويبدو أنه أدرك أن الجيطالي قد ألم بها من جميع الوجوه فتحاشى التكرار.
فواضح إذن أن المصادر الإباضية تلتقي مع المعتزلة ومع المتأخرين من الأشاعرة (34) في تأويل الاستواء.
كما أنها استفادت استفادة عريضة من صيغ الجمل التي ورد فيها ذكر الاستواء فألحت على معنى حرف الجر " على " ودلالته على القدرة وعلى معنى " ثم" الذي يفيد المعية لا الاستئناف وعلى ورود صيغة الاستواء للدلالة على استعلاء في القرآن الكريم وفي كلام العرب. وهذا يتماشى مع الفكر الإباضي عامة الذي يرى ألا سبيل الى الاستفادة من هذه النصوص إلا بتأويلها حسب ما يتماشى وجلال الله تعالى.
وبعد هذا التحليل يحسن أن نستجلي الأبعاد الحضارية لهذه القضية.
لقد صرح القرآن نفسه أن من آياته ما هو محكم ومنها ما هو متشابه والآية تحتمل في نصها أن يكون المتشابه من علم الله فحسب كما تحتمل أن يكون للراسخين في العلم نصيب في فهم هذا المتشابه على أساس أن يرجعوا به إلى المحكم وحذرت الزائغين من توجيه الآي على مقتضى زيغهم.