الاستواء
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥وما أن انتقل الرسول عليه السلام إلى الرفيق الأعلى، ودخل الناس في دين الله أفواجا حتى انطلق المسلمون يسألون أصحاب الرسول عليه السلام بأسئلة دقيقة لم يسأل بمثلها الرسول عليه السلام فمن الصحابة من آثر الوقوف ومن ذلك ما أثر عن أبي بكر" أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن أنا فسرت القرآن برأي" (35) ومنهم من فسر وتأول وعلى رأس هؤلاء عبدالله بن عباس وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " (36) ولا ننسى هنا أن إمام الإباضية جابر بن زيد أخذ جل علمه عن ابن عباس فهذه المدرسة حينئذ قامت من يومها الأول على منهج يعتمد على التأويل أساسا بل يعتبر أن القرآن لا يمكن أن يفهم فهما صحيحا إذا لم يتأول أساسا بل يعتبر أن القرآن لا يمكن أن يفهم فهما صحيحا إذا لم يتأول ما تشابه منه تأويلا يتناسق في العقيدة وفي غيرها مع ما جاء محكما وتناسق هذا التأويل في العقيدة- ويهمنا أكثر في هذا البحث- مع المحكم يتم على أساس تنزيه الخالق تعالى تنزيها مطلقا عن الشبيه في ذاته وصفاته وأفعاله.
وفعلا تسرب الزيغ في المحيط الإسلامي شيئا فشيئا من النصف الثاني من القرن الأول للهجرة وظهرت الفرق الإسلامية وتباينت مواقفها وتناقضت آراؤها بين تجسيم وتشبيه اعتمادا على ما في الآيات من ذكر اليد والوجه والعين وما إلى ذلك من الجوارح وبين وقوف وتفويض مع قبول للنص كما هو وبين تأويل وتوجيه النصوص انطلاقا من قيام اللغة على الحقيقة والمجاز.
والإباضية من يومهم الأول اعتنقوا الموقف الثالث كما ذكرنا وقد حرص الربيع بن حبيب من القرن الثاني هجري على أن يجمع ما أثر عن الصحابة والتابعين من تأويلات لكل ما جاء من المتشابهات في حق الله تبارك وتعالى. وكل ما جاء من التراث الإباضي في هذا الشأن في ما بعد استمر في نقل هذا الرصيد للاحتجاج به مع تحليله اعتمادا على ما ظهر من علوم البلاغة خاصة منها في باب المجاز.