سورة الأعراف.
الجزء ٧ · صفحة ١٣٥فرّع على بيان صدقه بمجيء تلك البيّنة الأمرَ بإيفاء الكيل والميزان والنّهي عن بخس النّاس أشياءهم. وذلك مطلوب في التّعامل التّجاريّ من بيع وشراء. حتى يكون نزيها يقوم على التّراضي والسّماحة بين المتعاملين وكان قوم شعيب قد ازدهرت تجارتهم بحكم موقع بلادهم على طريق القوافل بين الحجاز والشّام ومصر، ولكنهم مالوا إلى ما نعبّر عنه في هذا الوقت: "بالرّبح السّريع". وذلك بالغش والخيانة وتطفيف الكيل والوزن، أو بالتّدليس في الثّمن وبخس الحقوق بصفة عامّة في المبيعات الأخرى، بل حتى في الحقوق المعنوية -ويا ما أكثرها في هذا الزّّمان- لأن المؤمن الحقيقي سمح إذا باع، سمح إذا اشترى، سمح إذا اقتضى كما قال رسول الله. وللتّجار المتعاملين حيل ووسائل للتزييف والغش والمخادعة قد لا يضبطها القانون، ولكنها في حكم الله سحبّ وفساد في الأرض. ولذا نهى شعيب قومّه بعد ذلك عن الإفساد في الأرض بعد ما أصلحها الله تعالى بدعوات رسله وأحكام شرائعه وهو نهي عامّ يشمل كل فساد في العقائد والسّلوك والآداب الاجتماعية مما تعارف عليه النّاس أنه خير وصلاح.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ (إِن كُنتُم مُّومِنِينَ﴾: الإشارة إلى كل ما تقدم من الأوامر والنّواهي بأنها كلها خير وصلاح لمعاشكم ومعادكم، لا إعنات فيه ولا مشقة إذا ما تحمّلتم بصدق وإخلاص تبعات الإيمان بالله ورسله وباليوم الآخر، وذلك يقتضي منكم امتثال الأوامر واجتناب النّواهي بدافع من خشية الله وثقاه لأن ذلك هو الحارس الأمين لصلاح النّفس وخيرية المجتمعات البشرية.
﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنَ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: