سورة الأعراف.
الجزء ٧ · صفحة ١٣٦يبدو من تأخير هذا النّهي إلى ما بعد ذكر تلك الأوامر والنّواهي من شعيب لقومه، أنهم ضاقوا ذرعا بدعوته، وأن فريقا من قومه قد ءامن به واستقام على طريقة السّويّ، فبدأت المواجهة بين الفريقين وأخذت طابع العنف والتّهديد بترصّد النّاس في كل طريق وصدّهم بالقوة تارة وبالتمويه والتّضليل أخرى، أي أنهم حاصروا دعوة شعيب داخليا وخارجيا حتى تبقى حبيسة في نطاق بلده وبين أهله وأقاربه. وهم يصدرون عن خبث مقصد ونية دنيئة بإرادتهم العوج والانحراف عن سبيل الله المستقيمة. وينشرون الرّعب والهلع بكبت الحريات الشّخصية وتضييق الحريات الجماعية، وذلك أسوأ وضع يعيشه مجتمع يسود فيه الدّهماء ويستأسد البغاث. وبعد ذلك الزّجر والمنع لمثبّطات الدّعوة، استعمل شعيب بعض المؤثرات المعنوية في نصحه وذلك بتذكيرهم بما كانوا عليه من ضعف وقلّة، وكيف كانت نعمة الله عليهم بمباركة نسلهم وتثير عددهم.
﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾: وما تجدي الكثرة الغثائية، حين يتخلّى النّاس عن عبادة الله وإتباع منهجه السّويّ. ولم يعتبروا بمصير المفسدين، سيما ما كان من مصير قوم لوط وقوم صالح، وهم غير بعيدين من مواطنهم.
﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمُ (ءَامَنُواْ بِالذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُومِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾:
وإذ يستنفد شعيب جهده في دعوة قومه إلى الله وإصلاح أوضاعهم المتعفّنة، وقد ءامن منهم من ءامن وكفر من كفر. فلم يبق إلا انتظار حكم الله الذي يفصل بين الفريقين بما هو عدل وحق.