نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأعراف.

الجزء ٧ · صفحة ١٧٣

وقد انطبق هذا الوصف الإلاهي على ملإ فرعون وهم يصبّون جام غضبهم على موسى وقومه. وما كان من فرعون إلا أن ثارت حفيظته فهاج وتوعّد فقال: ﴿قَالَ سَنَقْتُلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾: إنه العزم الأكيد على أن يستمرّ في التّعذيب والتّنكيل لبني إسرائيل. إذ عانوا ذلك منذ مولد سيدنا موسى بقتل الأبناء والإبقاء على النّساء إضعافا لهذا الشّعب المقهور. فالرّجال هم طعم للموت في أبشع صورة من الذّبح والتّمثيل، والنّساء هن سراري وخدم للاستغلال والاستمتاع. فلنترك مشهد فرعون وملائه مشحونا بأساليب القهر والاستعلاء، ومنطق التّهديد والوعيد. وهم ماضون في التّنفيذ -لا محالة- فكيف كان موقف موسى مع قومه، وهم يواجهون مثل هذا المصير المشؤوم، ولم يذعن فرعون لإرسالهم وإطلاق سراحهم.

﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الاَرْضَ لِلهِ يُورِثُهَا مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: إنها موعظة كل برّ صالح يعرف ربّه ويدعو إلى اللّياذ إليه والاستعانة به، فهو الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السّوء. والخوف والهلع من طبع الإنسان. سيما في من تربّى على الجبن والاستخذاء، فلا عجب أن يرهب بنو إسرائيل من وعيد فرعون وهم الذين عايشوا طغيانه وجبروته وذاقوا وباله ونكاله. فما لموسى من وسيلة لطمأنتهم غير تلك الالتماسات الحارّة النّابعة من قلب متصل بالملإ الأعلى مغمور بفيض أنواره، عارف بقدرة الله وعظمته وأنه المدبّر لشؤون خلقه كيف يشاء، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء.

٢٬١١٧ / ٦٬٧٦٧