نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأعراف.

الجزء ٧ · صفحة ١٩٩

فموسى - عليه السلام - كان يسمع ذلك الكلام بدون واسطة الملك وقيل إن السّبعين المختارين للميقات سمعوه معه. وفي ذلك المقام القدسيّ التّشريفي لموسى في موقف الميقات حيث غشاه جلال النّبوءة بسماع الكلام استشرفت نفسه إلى رؤية الذّات العلية لزيادة المعرفة بالجلال الإلهي فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرِ اِلَيْكَ﴾. وقول موسى: ﴿أَرِنِي﴾: فيه معنى الاستعانة وطلب الإمداد الرّوحاني من الرّبّ تعالى حتى يقوى ويرتقي إلى ذلك المقام. ولكن الإجابة الإلاهية جاءت نافية نفيا تأبيديا للرؤية في الحاضر والمستقبل. إذ ليس لأحد من الخلق القدرة على ذلك. وقد ظن موسى أن مقام الحظوة التي حباه الله بها في الاتصال بالملإ الأعلى تخوّله تلك الميزة للاستشراف إلى ذلك المقام العالي. ولكن جلال الألوهية، فوق الطّاقة البشرية المحدودة. وفي الحديث الشّريف تصوير بليغ لذلك الجلال إذ يقول الرّسول في ما رواه الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعريّ: (حجابه النّور، لو كشفه لأحرّقت سبحان وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (.(1)

﴿وَلَكِنُ انظُرِ اِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ’ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾:

ولإقناع موسى - عليه السلام - بعدم قدرته على رؤية الذّات العلية، جاء هذا الاستدراك بأمر الله تعالى لموسى أن ينظر إلى الجبل الذي هو فيه، والذي هو شبيه به في خلقته من المادة الفانية لهذا العالم. ينظر إليه هل يثبت في مكانه حين يتوجه إليه الجلال الإلاهي بشيء من سبحانه؟؟ … وتعليق إمكانية الرّؤية باستقرار الجبل في مكانه إعلان باستحالة ذلك. إذ يقول تعالى بعد ذلك:

﴿فَلَمَّآ تَجَلَّى رَبُّهُ’ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ’ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾:

(1) - الحديث:

٢٬١٤٣ / ٦٬٧٦٧