سورة الأعراف.
الجزء ٧ · صفحة ٢٠٠لقد اندك الجبل على عظمته وصلابته عند التّجلّي الرّبّاني. فأين قوة موسى من قوة الجبل، وقد صعق لهول المشهد الماديّ. فكيف به أمام جبروت الله وعظمته لو أزيلت الحواجب؟؟ لقد أدرك موسى عندما أفاق أنه تطاول إلى مقام لا يملك فيه المؤهلات التي ترفعه إليه -وهو المخلوق الضّعيف- بالمقارنة إلى الجبل المدكوك. ولذلك سارع إلى التّوبة مما بدر منه.
﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُومِنِينَ﴾:
لقد كان ذلك الصّعق أمام هول المشهد بمثابة المنبّه لموسى إلى ما يجب عليه نحو الله من التّقديس والتّنزيه. فبادر بقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: وهو مصدر لإنشاء الثّناء على الله وتنزيهه عما لا يليق به. ويقول المفسّرون: أن وجه التّنزيه والتّوبة من موسى أنه سأل الرّؤية بغير إذن من الله تعالى فتاب ورجع عما طلب.
وإقراره بأنه أول المؤمنين، تعبير عن قوة الإيمان الذي لا تردّد فيه ولا نقص. يقول ابن عباس - رضي الله عنهم - ا في تفسير هذه الجملة: ﴿وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُومِنِينَ﴾. أنه لا يراك أحد. وقضية "رؤية الله" كانت وما تزال مثار جدل كبير بين المتكلمين. فأما رؤيته في الدّنيا فهي مستحيلة إجماعا. ويبقى محلّ الخلاف في رؤيته بالآخرة على اعتبار قاعدة: "أن أحكام تلك الدّار ليست كهذه". يقول الإمام ابن عاشور: "وقد يؤول الخلاف بين الفريقين إلى اللّفظ. فإن الفريقين متفقان على استحالة إحاطة الإدراك بذات الله واستحالة التّحيّز".(1)
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
(1) - التّحرير ج 09 ص 91 - 92.