سورة الأعراف.
الجزء ٧ · صفحة ٢١٤﴿وَأَلْقَى الاَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ (إِلَيْهِ﴾: وتأخذ شدة الانفعال على موسى جوانب نفسه فيلقى الألواح من يده إلى الأرض -وهي أمانة مقدّسة من ربّه- إظهارا منه لشدة الغضب لدين الله ونصرة الحق؛ فقد بلغ به الغضب مبلغا أفقده الرّويّة والأناة، فنسي الأدب مع الله، مما دعاه بعد ذلك إلى التّوبة والاستغفار، ولم يتمالك عن تعنيف أخيه إذ أخذ يجرّه بذؤابة شعره وبلحيته كما ورد في سورة طه. وقد ظن أن أخاه قد قصّر في مهمّة استخلافه على القوم. ولم يفعل ذلك به إهانة وإذلالا، وإنما غيرة على دين الله، حتى أنه عاتبه على بقائه معهم بعد أن عصوه ويرى من واجبه أن يلحق به إلى الطّور. ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾. ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (طه:92 - 93). وقد اجتهد هارون عندما رأى أن مصلحة القوم تقتضي بقاءه معهم حتى يرجع موسى، ولكن موسى لن يقبل عذره عند ما قال له: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (طه:94). بل اتخذ معه ذلك الأسلوب من التّعنيف لتأديبه على ما قصّر فيه. ولذا بادر هارون إلى الاعتذار فقال:
﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الاَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
عرف هارون كيف يستعطف أخاه ويكفكف من حدّة غضبه بهذا النّداء الذي استجاش به عاطفة الأخوّة الرّحيمة "يا بن أم" ليخبره عن حقيقة موقفه الضّعيف أمام هيجان القوم إن هو تمادى في الإنكار عليهم حتى همّوا بقتله، فلم يكن له يدّ إلا أن يسكت حفاظا على نفسه من الهلاك. والتّقية من الهلاك في مثل هذه المواقف يؤيّدها الحديث الذي يبيّن فيه رسول الله مراتب تغيير المنكر.