سورة الأعراف.
الجزء ٧ · صفحة ٢٥٤إنه الإذن الأبديّ من الله تعالى لما يسلّطه على اليهود من أنواع الذّلّة والمهانة والعذاب. ولقد أشرب هذا الإذن الإلاهي معنى القسم، وهو يعلم به أسلاف اليهود على لسان أنبيائهم بأنه قضى عليهم ذلك في علمه الأزليّ، -وأمر الله نافذ لا محالة- وقوله تعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾: بصيغة المضارع يدلّ على الوقوع في فترات مختلفة وبكيفية مستمرة إلى غاية يوم القيامة. فكلما طغى اليهود في الأرض وكان لهم سلطان، وكانت لهم جرأة على التّعسّف والظّلم. كما يفعلون اليوم في الشّرق الأوسط، كلما تحقق علوّهم في الأرض تسلّط عليهم عقاب السّماء يجريه الله على يدي خلقه فيسومونهم سوء العذاب. وقد تحقق ذلك تاريخيا، وءاخر ذلك ما فعل بهم الزّعيم الألماني هتلير في القرن الماضي، وصدق الله مولانا العظيم إذ يقول في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرآءِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الاَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمُ (أَنْ يَّرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ (4 - 8). وتسليط الله عباده على بعضهم بعض هو نوع من التّربية والعقاب بالنّسبة للعصاة المتمردين. بل الفتنة بين النّاس هي أقسى ما تتعرض إليه المجتمعات البشرية كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَّبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمُ (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمُ (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (65). وهذه السّنة الاجتماعية هي مجلي لصفات الذّات العلية. في كونه تعالى سريع العقاب يوقعه على العصاة في الوقت المناسب، لا يردّه أحد ولا يتأخر عن موعده، كما أن مغفرته وعفوه للتائبين هو من تمام عدله ورحمته. ويقتضي ذلك من بني إسرائيل إتباع الرّسول النّبي الأمّي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل: