نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٣

افتتح الله هذا الأخبار بالنّداء الإيماني، على ما بين الوصفين لأهل الكتاب من التّناسب والاتصال ثم أكّد الخبر بـ"إن" مبالغة واهتماما بمضمونه حتى يحذر المسلمون من الوقوع في ما وقع فيه أهل الكتاب، وتمشيّا مع أخلاقيات الدّعوة في أسلوب القرآن الحكيم قيّد الوصف للأحبار والرّهبان بالكثير تحرّزا من بعض صلحائهم ممن لا يفعل ذلك. واستعار الأكل لمختلف انتفاعاتهم بتلك الأموال التي يتأثلونها؛ لأن الأكل هو الضّرورة الملحّة لبقاء الإنسان وهو السّبب الرّئيسي في إنفاق الأموال، وإضافة الأموال إلى النّاس ثم جعل أكلها ملابسا للباطل، لبيان أن ذلك سحت وظلم، لأنهم لا يملكون فيها أيّ حقّ شرعيّ.

وأوجه الباطل والظّلم في أكل أموال النّاس قد فصّلها القرآن الكريم تفصيلا محكا في أحكام المعاملات المختلفة، مما يضمن تداول الأموال بالطّرق الشّرعية، وناهيك بهذا الوصف تقريعا وتشنيعا بعلماء اليهود والنّصارى إذ المفروض أن يكونوا قدوة صالحة لعامّتهم في هذا المجال، وقد جمع الله لهم خسيستين بهذا المعنى في سورة المائدة فقال تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (42). والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن الكريم.

وقوله تعالى: (وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ)، وسبيل الله هو دينه الصّحيح وصراطه المستقيم إنْ في ما بيّنته كتبهم من أحكام شريعتهم قبل تحريفها وتبديلها، أو ما جاء في رسالة الإسلام، فالأسلاف والأخلاف في ذلك سواء، لأن صدّهم لعامّتهم عن سبيل الله هو الوسيلة النّاجعة لاستبقاء نفوذهم وسيطرتهم جمعا بين المال والجاه، وهما الدّعامتان الأساسيتان لزينة الدّنيا ومتعاها. ثم وصفهم الله تعالى بخسيسة أخرى تتولّد عن الحرص والشّغف بالمال فقال تعالى: (وَالذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ).

٢٬٢٢٩ / ٦٬٧٦٧