نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٤

عطفت الجملة (وَالذِينَ يَكْنِزُونَ) على التي قبلها لوجه المناسبة بينهما، ذلك لأن كلاّ من الجاه والمال وسيلة لرفعة المنزلة الاجتماعية لمن حظي بواحدة منهما أو بكليتهما، وهما نعمتان لا يؤدّي حقّهما كثير من النّاس. والتّعبير بالموصول في الآية عوضا عن الضّمير "هم"، وتكون للموصول احتمالات كثيرة في المراد منه، أهم قوم معهودون كأهل الكتاب أو المسلمين؟، أم هو عامّ يراد به كلّ من كنز المال ولم يؤدّ منه الحقوق الشّرعية الواجبة؟.

وعلى تلك الاحتمالات الثّلاثة اختلف المفسّرون في المراد بهؤلاء، ويذكر الرّواة أن السّورة نزلت بعد غزوة "تبوك" بما فيها هذه الآية الكريمة، فليس بعيدا أن الذين بخلوا بأموالهم للإنفاق في هذه الغزوة من المنافقين يكونون مستهدفين بهذا الوعيد. وبما أن العبرة بعموم اللّفظ فإن الوعيد يشمل كلّ من يكنز الأموال ويبخل بها.

وللفقهاء خلاف في تحديد معنى "الكنز" أهو مطلق جمع المال وحبسه عن الإنفاق كما ذهب إلى ذلك أبو ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه، أم هو المال الذي لم يؤدّ فيه حق الله، كما ثبت في الحديث أن ابن عمر سئل عن الكنز المتوعّد عليه في الآية ما هو؟ فقال: هو المال الذي لا تؤدّى منه الزّكاة. كما وردت أحاديث كثيرة يتجه معناها إلى تحذير المسلمين من فتنة الذّهب والفضة وكنزهما، تسندها السّنة العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسراع إلى توزيع كلّ ما يقع بين يديه من أموال الغنائم وفي عيشته الزّهيدة طيلة حياته، ولكنه عليه السلام لم يمنع النّاس من التّمتع بزينة الله التي أخرج لعباده والطّيبات من الرّزق.

٢٬٢٣٠ / ٦٬٧٦٧