سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ٨والمناسبة بينه وبين ما سبق ذكره من تحايل أهل الكتاب في استغلال أتباعهم لتأثيل الأموال وكنزها، ووعيد الله على ذلك، وهو يطال كلّ من فعل ذلك من أهل الكتاب أو المسلمين، لأنه تغيير لحكم الله، فناسب أن يذكّر الله المسلمين ما يجب أن يخالفوا فيه المشركين -أيضا- بإبطال النّسيء في الأشهر الحرم لاستحلال ما حرّم الله من القتال فيها. فمهّد لإبطال تلك العادة الدّنيئة بذكر النّظام الحق لتوقيت الأمة الإسلامية على الوجه الحقّ الصّالح وفق ما قدّره الله في أمره التّكويني يوم خلق السّماوات والأرض فقال جلّ من قائل: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ).
من حكمة الله البالغة أن يقدّر هو بنفسه ما يكون عليه نظام الأرض، وما يتصل به من النّظام الشّمسي لتحديد الزّمان ونظام التّوقيت، وجعل أساس ذلك هو النّظام القمري، وأوجب الأخذ به في ضبط مواقيت العبادات كلّها فقال تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الاَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة:189). ذلك لأنه لو ترك الأمر لتحكّمات النّاس وأهوائهم لاضطرب حبل نظامهم وساءت أحوالهم.
والاعتماد على ضبط الشّهور القمرية، لأنه في متناول كلّ النّاس بالرؤية البصرية، لا تستدعي معرفة الحساب، ثم ما في ذلك من خصوصية للمسلمين في مخالفتهم لأهل الكتاب كشأنهم في كثير من الأحكام. وبما أن الأشهر الحرم قد تقدم ذكرها في ما سبق من الأمر بقتال المشركين، فقد ورد في هذه الآية ضبطها بإبطال ما أدخل عليها المشركين من النّسيء، واستعملت صيغة التّأكيد بـ"إن" للاهتمام بمضمون الجملة.