نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٢١

جاء هذا العتاب اللّطيف من الله لرسوله مصدّرا بالعفو قبل ذكر سبب العتاب وذلك أدب رفيع وإكرام بليغ، فما كان إيذانه عليه السلام لهؤلاء عن محسوبية أو مجاملة، وإنما هو اجتهاد منه وأخذ للناس على ظواهرهم. ولكن الله العليم بذات الصّدور يعلم بقعود من قعد من الكاذبين في أيمانهم سواء أذن لهم أو لم يؤذنوا، وكان الأولى أن لا يتسرّع في الإذن حتى يتبيّن الصّادقين من الكاذبين، فحينئذ تنكشف الحقيقة، فلا يجد المتخلفون غطاء لخسيستهم بإذن رسول الله لهم. ومتعلق الإذن -وهو القعود والتّخلّف- مفهوم من السّياق، وهو مُغَيَّا بـ"حتى" أي لغاية تبيّنك للفريقين.

ولكلّ منهما صفات تدلّ على نواياهم وتبيّن حقيقتهم قال تعالى: (لاَ يَسْتَاذِنُكَ الذِينَ يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ أَنْ يُّجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ).

كان نهوض المؤمنين الصّادقين إلى الجهاد في كلّ مرّة لا يحتاجون فيه إلى استئذان الرّسول، لأنهم يعتبرون ذلك واجبا دينيا وقربة إلى الله، وثمنا لجنة الرّضوان. وقد روي عن المهاجرين والأنصار أنهم يقولون: لا نستأذن النّبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فإن ربّنا ندبنا إليه مرّة بعد أخرى، فأيّ فائدة في الاستئذان؟. ودافعهم إلى ذلك هو إيمانهم الرّاسخ بالله ورسوله ويقينهم بما يترتب عن الجهاد من العزة والتّمكين في الدّنيا، والمغفرة والرّضوان في الآخرة، تطبيقا لقوله تعالى في سورة الحجرات: (اِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ ءَامَنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (15).

٢٬٢٤٧ / ٦٬٧٦٧