نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٢٩

في هذا البيان إخبار بما يعتمل في نفوس المنافقين من الخواطر السّيئة نحو رسول الله وأصحابه، وهي تدلّ على مدى كذبهم وارتيابهم في ما قدّموه من الاعتذار للتخلّف والقعود، فهم يتربّصون ما يكون عليه الرّسول من خير بالنّصر والغلبة فيسوءهم ذلك ويغتمون له، وعلى العكس إذا حدث له مكروه، فإنهم يفرحون ويتبجّحون بأنهم احتاطوا لأنفسهم من قبل وأخذوا حذرهم لما فيه سلامتهم، ثم يتولّون وقد هزّهم الفرح وأخذتهم النّشوة بخلاصهم من المصيبة.

والآية تمثيل بالغ لشماتة الأعداء وتشفّيهم، وذلك من أسوأ ما يبتلى به الصّالحون من عباد الله، كان رسول الله يستعيذ به من الله في كثير من أدعيته.

وأزاء ذلك التّبجّح فإن للمؤمنين الرّدّ المبكّت للمنافقين، تعبيرا عن إيمانهم بقضاء الله وقدره وإرشادا لهم من الله بذلك فقال تعالى: (قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُومِنُونَ).

إنها العقيدة الرّاسخة التي من أسسها الإيمان بالقضاء والقدر، والتي ينتفي معها في نفس المؤمن كلّ حزن أو أسى على ما قدّره الله من المصائب في محكّ الابتلاء والتمحيص للمسلمين علما ويقينا منهم بتدبير الله الحكيم لشؤون خلقه، وأن ذلك من تمام حكمته وعدله، مصداقا لقوله تعالى في سورة الحديد: (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ، لِّكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (22 - 23). وليس أقتل للعدوّ وأنكى للإمعان في غيظه وحنقه من أن يتجلّد خصمه ويبدي عدم الاكتراث لما وقع، كما قال الشّاعر:

وتجلّدي للشامتين أريهم … أني لريب الدّهر لا أتضعضع

٢٬٢٥٥ / ٦٬٧٦٧