سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ٣٠ومن كان الله وليّه وناصره فلا يخشى ضيرا ولا مكرا، لأنه لا يتوكّل إلا على الله بل يردّ الأمر إليه وحده بعد أن يأخذ بالأسباب التي يقدر عليها، لأن الله هو القويّ العزيز. وفي هذا الإرشاد تعليم وتوجيه للمسلمين، من شأنه أن يرسّخ ثقتهم بأنفسهم وثقتهم بربّهم فلا يضعفون أمام شماتة الأعداء. ذلك في مجال رفع المعنويات، ثم يعقبه الإرشاد الثّاني الذي يعتبر بيانا وتكميلا للأول فقال تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلآَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمُ أَنْ يُّصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ).
الخطاب للرسول وهو قدوة لأمّته التي لا تنفكّ عن مثل هذه المواجهات مع أعدائها في مسيرتها التّاريخية. وطبيعيّ أن يتربّص الفريقان المتعاديان كلّ بالآخر، ولكن شتّان بين تربّص وآخر، فماذا يتربّصه المنافقون بالمؤمنين غير الهزيمة أو القتل؟. ولكن المجاهد المسلم يواجه أعداءه بعزيمة وثبات وهو ينتظر إحدى الحسنيين مما كتبه الله لهم من النّصر أو الاستشهاد. فكلاهما خير في العاجل أو الآجل، وفي مقابل ذلك فنحن -المسلمين- ننتظر منكم إحدى السّوأتين:
أ) - أن يهلككم الله بعذاب من عنده كما أهلك من قبلكم من الكفار والظّالمين، وكما توعّدهم الله بذلك في قوله: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) (الرعد:31).
ب) - أن يعذّبكم الله بأيدينا بما يكون فيكم من القتل والأسر والسّبي، وقد أذن الله بقتالكم.
وفي قوله تعالى: (فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) تهديد وتهوين من شأن الخصم بإظهار الثّقة والتّحدّي من طرف المؤمنين، لأنهم على بيّنة من عاقبة أمرهم بوعد الله الصّادق، والمنافقون لا يعدهم الشّيطان إلا غرورا، والله أعلم.