نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التوبة

الجزء ٨ · صفحة ٤٠

مما يلفت الانتباه في حكمة التّشريع الإسلامّي، وفي أحكام ركن الزّكاة بالخصوص أنه لم يتطرّق إلى ذكر مصادرها وبيان مقاديرها إلا بإشارات عامّة، بينما نجده يولي اهتماما بالغا ببيان مصارف الزّكاة وجهات الاستحقاق فيها بيانا تفصيليا لا يتطرق إليه التّأويل ولا يلفّه غموض. ذلك لأن المهمّ في نظر الاقتصاد الحديث ليس هو جباية الأموال أو تحصيلها، بل المهمّ هو كيف توزّع وكيف تصرف، وهذا البيان لمصارف الزّكاة يمثل كمال التّكافل والتّضامن في المجتمع المسلم، إذ ليست الزّكاة إلا تداولا لتلك الأموال بين فئات المجتمع تؤخذ من أغنيائه وتردّ على فقرائه، وخوّل لإمام المسلمين أن يتصرّف في المقدار الذي يخصّصه لكل صنف بما يحقق به المصلحة العامة للدولة.

والزّكاة تصرف في جهتين أساسيتين:

أ) - أشخاص لا يجدون ما يكفي ضروراتهم، ولا يقدرون على تحصيل ذلك، فجاءت الإضافة إليهم بـ"اللام".

ب) - مصالح عامّة ضرورية لإقامة الدّولة فجاءت الإضافة إليها بـ"في".

أ) - ففي الجهة الأولى يأتي (الفقراء والمساكين): وهما وصفان يدلاّن على الحاجة الحقيقية إلى ما يسدّ الرّمق ويكفي الضّرورة الملحّة. وهذان الصّنفان: الفقير والمسكين، لا يكاد يخلو منهما مجتمع، حتى تلك التي يقال عنها أنها متقدمة.

والمسكنة هي أشدّ دلالة على الفقر وصفه الله تعالى في سورة البلد بقوله: (اَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) (16). أي اللاصق بالتّراب من فقره، كما وصفه الرّسول بأنه «هو الذي لا يؤبه به فيعطى ولا يقوم فيسأل النّاس»(1) أي لعزة نفسه.

وقد عُني القرآن بهذا النّوع من النّاس لما عانوه من الإهمال في المجتمع الجاهلي بالخصوص، وما تزال هذه الفئة عرضة للضياع والحرمان حتى اليوم، على الرّغم مما استحدثته النّظم الحديثة من الخدمات الاجتماعية دوليا وعالميا.

(1) 1 -

٢٬٢٦٦ / ٦٬٧٦٧