سورة التوبة
الجزء ٨ · صفحة ٤٩وهذا نوع آخر من الطّعن وسوء الأدب مع رسول الله يصدر من مرضى القلوب بالنّفاق، وقد رأوا من رسول الله تلك السّماحة وذلك اللّين في معاملة النّاس وأخذهم على ظواهرهم وفق ما أمره الله به في قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحِ اِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13). وقيل: إن قائل هذا الكلام هو نبتل بن الحارث كان يأتي رسول الله فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو قال لهم: "إنّ محمد أذن، من حدثه شيئا صدّقه". فأنزل الله فيه هذه الآية. وقيل: هم جماعة من المنافقين قالوا ذلك. وقيل غير ذلك مما تناقلته روايات أسباب النّزول. فالقدح في رسول الله بمثل هذا الكلام اعتبره الله تعالى أذى تهدّد عليه بالعذاب الأليم، لأن مثل هذا الأسلوب، وإن كان ظاهره لا غضاضة فيه للذي لا يتعمّق الفهم، ولكنه في الحقيقة يدلّ على أن الموصوف به غرّ مغفّل ينخدع بما يسمعه دون أن يميّز بين ما هو صادق أو كاذب وهي صفة لا تليق بمن هو في مقام الرّؤساء وأولي الأمر، فما بال بمن وصفه الله بأنه على خلق عظيم.
وهكذا يكون المنطوي على الخبث والمكر إزاء من يكرهه باطنيا، فالمكروه وإن كان في حقيقته كامل الأوصاف بعيدا عن العيوب والدنايا فإن المبغض له يختلق له ذلك ليشبع ما في نفسه من بغض وكراهية، وليشوّه سمعة من يبغضه وقد قال الشّاعر العربّي:
وعين الرّضا عن كل عيب كليلة … ولكن عين السّخط تبدي المساويا
وقد لقّن الله الرّدّ على هؤلاء بأسلوب الحكيم: (قُلُ اُذْنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُومِنُ بِاللهِ وَيُومِنُ لِلْمُومِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ).